Showing posts with label Arabic. Show all posts
Showing posts with label Arabic. Show all posts

Tuesday, July 28, 2009

عهد سليمان والفرصة الضائعة


عهد سليمان والفرصة الضائعة


By Michael Kouly

بقلم: مايكل كولي
(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق:
Michael.kouly@post.harvard.edu

بدأ الوقت ينفذ. على فخامة الرئيس ميشال سليمان أن يقرر سريعًا, هل يريد أن يذكره التاريخ كأي سياسي لبناني عابر آخر, أم كأحد صانعي لبنان الحديث ؟
آراء الباحثين في علم القيادة منقسمة بين من يبدي إعجابًا بأداء سليمان في السنة المنصرمة من حكمه وبين آخرين يرون أنه كان بإمكانه أن يؤدي بشكل أفضل. ويعدد المعجبون إنجازات الرئيس كالآتي:
استطاع ان يحظى باحترام محلي ودولي لقيَّمه وشخصه.
أعاد الاعتبار لمنصب رئاسة الجمهورية كرمز لهيكلية السلطة الرسمية.
استثمر الدعم الدولي للبنان من خلال زيارته عدة بلدان ليقدم بلده كوطن معافىً بعد أن كاد يعتبر بلدًا فاشلا.
فهم توازن القوى الداخلية والخارجية، وحافظ على علاقات جيدة مع سائر الأطراف.
حرص على أن يكون ممثلاً لجميع اللينانيين على اختلاف شرائحهم.
جهد لجمع سائر الأفرقاء اللبنانيين على طاولة الحوار ليتفقوا على المبادئ الأساسية التي تحكم عيشهم سويًّا.
استحق الاحترام كصوت للحكمة والاعتدال في بلد عرف بالتهور السياسيّ.
أسهم في استقرار البلد سياسيًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا بالرغم من التأجج السياسي المستمرّ.
الرئيس سليمان نجح في إنجاز الآنف رغم محدودية صلاحياته، وينقل القريبون منه غصته لعجزه عن تقديم المزيد لبلده بسبب ضيق سلطته الرسمية.
أما النقاد فيرون أن ما أنجز خلال هذه السنة كان بالإمكان أن يكون أكثر بكثير لو أن الرئيس استخدم مصادر تأثير خارج إطار الصلاحيات الدستورية، من خلال قدرته على التواصل مع الشعب مباشرة لبناء رأسمال سياسي عند الناس الذين هم مصدر السلطة الحقيقي، مستغلاًّ لهذا قدرة منصب الرئاسة على جذب انتباه الناس والإعلام. وهم يرون أن الظرف الحالي استثنائيٌّ يتطلب مقاربة جديدة لحل المشاكل وإبداعًا وأفكارًا خلاّقة، وأن سليمان يتعاطى مع هذا الظرف بأساليب عادية، جرِّبت لعقود وفشلت في كل مرة.
وهم يخشون أن تتحوَّل سنوات عهده الستة إلى مزيد من الفرص الضائعة لممارسة العمل القيادي الحقيقي.
مشكلة لبنان أنه مكوّن من مجموعات متنافرة ومتخاصمة لا تثق ببعضها بسبب عمق تاريخها الدموي المشترك وبسبب التناقض في نظرتها إلى هوية الوطن ومستقبله وقيَّمه وأولوياته. هذه المشكلة البنيوية الحادة والمزمنة لا يمكن أن تُحَلَّ فقط بتغيير آلية الحكم كالنظام الانتخابي أو التركيبة الحكومية أو إعادة توزيع السلطة بين الأفرقاء أو حتى بدستور جديد.
وهذه السنوات العشرون التي مرت على دستور الطائف دون أن تُزيل علل لبنان، شاهد على ذلك. إن كل هذه الآليات هي ضرورية جدًّا لتأمين البيئة الحافظة للجتمع، ويجب أن تعطى اهتمامًا بالغًا. ولكنها مؤقتة وقصيرة المدى، وتبقى حلولاً تقنية تنتج المزيد من المشاكل المستحدثة وتراكمها إلى القديمة، إذا لم تتطوّر ذهنية المواطن اللبناني.
إن عطب آلية ومحاصصة الحكم والتأثير المسيطر للتدخل الخارجي معضلتان كبيرتان ولكنهما تبقيان عوارض المرض الحقيقي وليستا حقيقة المرض.
إن معظم المعالجات التي بذلت، ومن ضمنها جهود الرئيس، كانت ولا تزال، منصبة على العوارض ومهملة لحقيقة المرض، إلا إذا اعتبرنا أن الأمل بتغيير ذهنية اللبنانيين مفقود، وأن الذي نشهده هو أفضل الممكن.
وإنه لمن المحزن أن سنين وعقودًا قد هدرت دون تقدم كاف في الإجابة عن أسئلة أساسية مثل:
ماذا يعني أن تكون لبنانيًّا؟
هل اللبنانيون يريدون فعلاً أن يعيشوا سويًا؟
هل اللبنانيون قادرون ومستعدون على القيام بالتضحيات اللازمة ليعيشوا معًا بسلام؟
الواقع أنه بالإضافة إلى إهمال المواضيع الجوهرية لأجيال وتجنب الخوض فيها فإن الأمور قد ازدادت سوءًا. فالبلد الذي كان يعاني من انقسام طائفي أضحى منقسمًا طائفيًّا ومذهبيًّا، والإدارات باتت شبه مشلولة، والدين العام تفاقم، والقوى المسلحة الرسمية لم تعد الوحيدة ولا حتى الأقدر على أرض الواقع، بل إنها أمست أقل عسكرة من بعض القوى غير الرسمية, في وقت تعزز الارتباط بالخارج والولاء له.
وحتى الانتخابات النيابية الأخيرة التي هُلِّل لنجاحها كثيرًا، لم تحصل إلا بتراضي الأفرقاء المحليين والخارجيين على ذلك, ولم تُسفر نتائجها عن أي تطور في البلاد.
وإنه لمن المؤسف أن تكون هذه الانتخابات زادت كثيرًا في تراكم الآلام في الذاكرة الحية للبنانيين، فالحملات الانتخابية كلها استعملت ثقافة التخويف والتخوين والتشكيك والغضب والحقد والانتقام، الأمر الذي عمّق الصدع الوطني.
إن رؤية الشبان وهم يحملون أقرباءهم العجزة والعجائز إلى صناديق الاقتراع ليضعوا أوراقًا لا يدرون فحواها كان مشهدًا مخيفًا لتنامي مستوى الحقد المتبادل بين اللبنانيين والذي لا يتردّد في أن يُطِلَّ بعنف من وقت لآخر. بدل أن تكون منافسة لإيصال الأقدر على خدمة المجتمع بأكمله, لقد كانت هذه الانتخابات بحق حربًا أهلية خيضت بالأوراق.
من السذاجة والظلم في آن، القول إن عبء إصلاح كل هذا الخلل المتفاقم يقع على عاتق الرئيس أو أي شخص آخر, فالمسؤولية تقع على عاتق كل اللبنانيين بلا استثناء, مواطنين وسياسين ورسميين. كما انه لمن المستحيل على أي كان, لا سيما على رئيس مهمش دستوريًا, ان يواجه لوحده عفن السلطة السياسية والمذهبية التي تتغذى على جروح الوطن النازفة.
السؤال اذن هو: ماذا يمكن للرئيس سليمان أن يصنع مع إرث كهذا؟
الجواب : هو في تغيير "اللعبة", والتركيز المباشر على الشعب حيث تكمن المشكلة والحل. إن هذا هو ما فعله غاندي ومنديلا ومارتين لوثر كينغ. لقد قام هؤلاء وأمثالهم بحض شعوبهم على مواجهة الحقائق المرّة وساعدوهم على تغيير العقلية التي أدّت اليها. وبدون أي سلطة رسمية او دستورية تحوّلوا إلى الصوت الذي يرفع مستوى الوعي والإدراك في المجتمع.
حتمًا ليست هذه دعوة لاستنساخ نابليون العسكري أو شافيز الشعبوي أو ماو تسي تونغ العقائدي أو أي من التجارب اللبنانية التي أدت إلى تمحور مجموعة حول الولاء للشخص، بل هي دعوة لسليمان ليُمضي سنين عهده الخمس الباقية مسخرًا قوى الرئاسة المعنوية ليؤسس في الإنسان اللبناني قيمًا يجمع عليها الشعب لتكون مساحة مشتركة تجمع الوطن وجسورًا بين أطرافه المتباعدة.
قد يقول البعض إن هذا الطرح حالم وغير عملي، وإن أمراء الحرب سيفشّلون أي محاولة لتقليص قدرتهم على تجييش الجموع أو إن الرئيس لا يملك الوسائل لخلق هذه "الحالة" من الوعي المدني والوطني!
إذن ما البدائل؟!!.
في ظل الظروف الراهنة فإن الطرق المعتادة للعمل السياسي قد لا توصل إلى حلول، وهذا مقروء في كلام السياسيين أنفسهم الذين لا يفتؤون يُقِرُّون أن أقصى ماقد تبلغه حركتهم الآن هو "انفراج" مؤقت مبني على انفراج خارجي، وليس هذا بالمستغرب فهم مستمرون على استخدام الأنماط والمقاربات ذاتها التي مازالوا يمارسونها وأسلافهم منذ تأسيس الوطن، من إدارة للأزمات المتتابعة، واستنباط الحلول السطحية والتقنية، والاتكال المفرط على التدخلات الخارجية، تمامًا كما يفعلون الآن في موضوع تأليف الحكومة الجديدة.
وهذا ما ينطبق عليه تمامًا تعريف آينشتاين للجنون الذي هو عنده؛ أن تُكَرِّرَ الفعلَ عينَه، وتنتظر نتائج مختلفة. إن الطرق القديمة لن توصل إلى اماكن جديدة.
إن لدى الرئيس خيارين: الأول أن يكون مجرد رئيس للآليات والبروتوكولات والحياد ومنطقة هدنة سياسية وامنية .(BUFFER ZONE)
والثاني: أن يضيف إلى هذا كونه رئيسًا للوعي المدني ومرسيًا للقيم الوطنية.
وثمة إشارة واضحة إلى أن اللبنانيين متعطشون لأن يلعب الرئيس الدور الثاني، فهم ملوا من ثقافة السياسة وممارسة السياسيين التي ما برحت تُسمّم حياتهم منذ سنوات، وهم ينتظرون من الرئيس أن يقدم تعريفًا مختلفًا للقيادة يكون متقدّمًا على المستويين العالمي والتاريخي، وذلك بتقديم الرئيس النموذج الذي يختلف تمامًا عن الطبقة المهترئة من الزعامات التي اعتادوا عليها إلى حدّ السآمة، رئيس صادق أصيل غير أناني يتوجه إلى الشعب بقلبه قبل أن يُخاطبهم بلسانه ليدفع اللبنانيين لإبراز أفضل ما عندهم. اللبنانيون يتوقون إلى رسالة أمل تقنعهم أنهم قادرون على حلّ مشاكلهم بأنفسهم، وأن بإمكانهم بالرغم من اختلاف إرثهم التاريخي أن يبحثوا معًا عن مستقبل واحدٍ في وطن يُبنى على التعاون وليس على التناحر وعلى الوفاق وليس على النفاق والزعاق. وهذا الدور لا يحتاج إلى سلطة دستورية، فرئيس الجمهورية يملك أثمن أدوات القيادة ألا وهي قدرته على استرعاء انتباه الناس وبالتالي التأثير عليهم، كما أن أمامه فريقًا ضخمًا من المساعدين الممتازين غير المُسْتَغَلِّين حاليًّا، وهم النخبة اللبنانية الغير مُسيَّسة والمجموعات الموهوبة والمنفتحة والمتحمسة والملتزمة في المجتمع المدني الغني في لبنان، والذين يمكنه بسهولة تجييشهم لخدمة قضايا وطنية نبيلة بدل أن يبقوا مهملين كما هو الوضع الآن.
على الصعيد العملي، فإن الباحثين يقترحون أن يقوم الرئيس، وبدون أي إهمال اطلاقا لمسؤولياته السياسية والدستورية، بالعمل الجادّ والمكثّف مع النخب وجمعيات المجتمع المدني والتواصل المباشر مع الجماهير في المهرجانات والمؤتمرات والكنائس والمساجد وكافّة النشاطات الثقافية والرياضية والكشفية والشبابية حيث يستطيع أن ينشر رسالته بالأمل والتغيير.
إن هذا هو أسلوب مختلف كليًّا عن الأسلوب المعتمد حاليًّا للرئيس وهو يتطلب أن يقضي سليمان وقتًا أكثر مع الناس على الأرض، ووقتًا أقل مع الساسة في قصره.
ولعلّ هذه هي الطريقة الوحيدة، إذا أراد الرئيس أن يُحْدِثَ تأثيرًا ويبني رأسمالا سياسياّ، كما يستطيع أن يشكل فريق عمل خاص ليعينه في هذا كله، و ان يضع خطابًا جامعًا يُضمِّنُه الجوهر الوطني الموجود في خطاب كل الأفرقاء، ويُكرّر هذا الخطاب بلا كلل ولا ملل ليل نهار، وفي كل مناسبة في السنوات الخمسة القادمة حتى يصير هذا الخطاب جزءًا راسخا من وعي المواطن اللبناني والنمط الأساس في تفكيره وأدائه.
ولعل مما يصلح أن يكون من عناصر هذا الخطاب النص الآتي: "لبنان بلد الأخلاق والقيم الفضيلة بعيدًا عن الفساد. وهو سيد حرّ مستقلّ، يستبسل كل أبنائه في مقاومة أي اعتداء عليه. الحريات والتنوع الديني والثقافي هما رأسمال هذا الوطن ومصدر غناه. إن ما يجمع اللبنانيين أكثر بكثير مما يظنون أنه يُفرِّقهم".
لقد حظي الرئيس بأكثر من سنة ليتأمل في الدور الذي مارسه حتى الآن، وفي مدى إسهامه بحل المعضلات الجوهرية للبنان، وليفكر أين ستصير رئاسته إذا أكمل بهذه الطريقة. إن تعزيز سلطة الرئيس في الدولة والحكومة لا بد أن تساعدَه لأداء مهماته بشكل أفضل ولكن المنفعة ستكون تكتيكية، بيد أن ساحة العمل الحقيقي هي الناس حيث يكمن الداء والدواء، فهل سيستطيع الرئيس أن يتواصل مباشرة مع الناس؟
وهل سيستطيع أن يُمرَّر لهم قيمه ونظرته وحكمته المشهودة؟
وهل سيكون بمقدوره وهو يمارس حكمه أن يُحَوِّل المجتمع المدني والنخب المثقفة إلى جيش من الناشطين في خدمة رسالته الوطنية الجامعة؟
وهل سيُعرَفُ سليمان في التاريخ بأنه الرئيس الذي ساعد اللبنانيين على أن يغيِّروا نظرتهم لأنفسهم ولبعضهم البعض ولبلدهم؟.
وهل سيكون رئيس المؤسسات والآليات فقط، أم سيُفضِّل أن يكون أبًا لحالة مدنية وطنية واعية؟
إن الفرصة سانحة ليقول الزمان "نعم يستطيع" ولتقول الأجيال القادمة "لقد استطاع".

July 2009-07-17

Friday, January 30, 2009

رسالة الى الرئيس اوباما

السيد الرئيس باراك حسين اوباما المحترم،

عزيزي السيد الرئيس،

هنيئا لك توليك الرئاسة. أتمنى لك عهداً رئاسياً حافلاً بالعمل الملهم لما فيه خير بلادك والعالم.

أكتب إليك، وأنت الآن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، لأنّ قراراتك ستؤثر، بشكل مباشِر أو غير مباشر، في مستقبل ابنتي ماريا-هيلينا البالغة من العمر أربع سنوات، كما أنها ستؤثر في كل شكل من أشكال الحياة على هذه الأرض.

حملك ثقيل، سيدي الرئيس. معظم الناس لم يتخيلوا بعد عِظَم المسؤولية الملقاة على عاتقك. إنها لمهمّة صعبة غاية الصعوبة إدارة أضخم مؤسسة اقتصادية وعسكرية ونووية في العالم، وقيادة القوة العظمى التي تستقطب باستمرار أنظار العالم واهتمامه. ليس هناك أدنى شك في أن رئاسة الولايات المتحدة الأميركية هي واحدة من المهامّ الأصعب على الإطلاق.

إنّ آلاف الملايين من شعوب العالم، فضلاّ عن شعبك الأميركي، يتطلعون إليك وهم يتوقعون أنك ستجعل حياتهم أفضل، وأنك ستجد الحلول للمشاكل والأزمات التي أوجدوها هم وأجدادهم، فكانت إرثاً ثقيلاً ينتقل من جيل إلى جيل.

على مدار الوقت، سيكون الإعلام مصدر تنبيه لك، يذكرك بهذه التطلعات والتوقعات. كما سيكون بقربك جهازك الإداري الذي يضم جيشًا من المستشارين، بعضهم يصنّف الأفضل عالميًّا في مجال اختصاصه، لإسدائك النصائح في كيفية إدارة التحديات والفرص على المسار العالمي. ورغم ذلك، بل لذلك، أجد نفسي، وبكل تواضع، راغبًا في أن أشاركك بعض رؤى الناتجة عن التأمل في هدوء البعد، دونما غرق في الضوضاء والتعقيدات اليومية التي تحيط بك.

- حافظ على وجودك. لقد مثّل انتخابك خطوة كبيرة في نضج شعب الولايات المتحدة الأميركية، وبالرغم من أن مسار البشرية يظهر تقهقرًا، فإن هذه الخطوة الكبيرة ألهمت الأمل بأننا ما زلنا قادرين على التقدّم في مواجهة تحدياتنا والتغلب عليها. وكما أثبت الشعب الأميركي أنه ما زال يكافح في نضاله الأخلاقي والمبدئي، مع بعض النجاحات المشهودة، تستطيع شعوب أخرى أن تواجه بشجاعة قضاياها. لقد عانى العالم بداية قاسية للقرن الواحد والعشرين حيث تفاقمت موجة العنف والانكماش الاقتصادي الخانق. ان العالم لا يحتاج صدمة أخرى. لذا اهتم بنفسك جيدا.

- إنّ أميركا إذ اختارت شخصاً ذا جذور إفريقية، واسم والده حسين، ليتولى أعلى مناصبها، فهذا لا يعني أن الحياة أصبحت وردية وأن قوى الماضي الظلامية قد ولّت. في الواقع أنّ انتخابك ربما أثارها لتكون أشدّ فعالية. إن الثقة المفرطة والتفاؤل الساذج، وافتراض حاكمية منطق واحد قد يؤدي إلى مفاجآت ضارة ومؤذية. فلا تطمئن لهذا العالم المجنون.

- لا تسرف في الضغط على المنظومة الأميركية، فهي ما زالت تحت وطأة انتخابك رئيسا، وسوف تحتاج إلى وقت كي تستوعب ما حصل. أمهل شعبك قليلاً حتى يتكيف قبل أن تدفعه نحو مزيد من القفزات النوعية المطلوبة. لكن لا تخسر توثُّبك.

- الآن وقد انتهت الحملة الانتخابية، يبدو الوقت، ملائما للتأمل في مبدأ التغيير الذي روّجت له ودافعت عنه. التغيير إلى ماذا؟ هل نتوقف بعد التغيير؟ أو نتوجه إلى تغيير آخر؟ هل البقاء والتطور والازدهار يحتاج إلى تغيير دائم؟ سيدي الرئيس، التغيير هو نهج، وليس هدفا بحد ذاته. إن مهمتنا الشخصية والاجتماعية والوطنية ليست في التغيير، إنما هي في اكتشاف حقيقة أنفسنا وجوهرنا، وفي عيش هذه الحقيقة، وفي وضعها لخدمة الناس والمجتمعات والأمم. إن الهدف الأسمى للعمل القيادي في أي منصب رئاسي، هو المساهمة في مساعدة الناس على اكتشاف تميّزهم كأمة، وتوظيف هذا التميّز في خدمة البشرية جمعاء.

- لا أقصد أن أكون فظًّا سيدي، ولكن حاول أن تحافظ على واقعيتك وأبق قدميك على الأرض. لك كل الحق في أن تزهو فأنت أصبحت تمثّل فصلا مشهودا من التاريخ. لكنّ الغرور يستطيع بأكثر من طريقة أن يقتل صاحبه، فكن امتدادا لعمل المحبة والتسامح والتواضع الذي تجلّى في انتخابك.

- عندما تطغى عليك تعقيدات الأوضاع المطروحة أمامك، ذكر نفسك أن العقل ينتعش عندما يعقِّد الأمور. وأن القوانين الأساسية للحياة هي في جوهرها بسيطة. أضِف قدرا من صفاء البساطة على دفق النصائح التي ستتلقاها كلما خطوت خطوة في رحلتك الرئاسية. فالحياة أبسط مما يتراءى للعقل البشري.

- ثق بحدسك وحكمتك. فأنت، كمعظم الناس، تملك في أعماقك ما يكفي من النور لتميز الصواب من الخطأ. ولا تسمح للمعلومات المفرطة الناتجة عن الإسراف في التحليل أن تُغرق تفكيرك وتُربكه.

- تأكد أن تكون قراراتك إيجابية (Responsive) يحركها وضوح القصد والحكمة والرحمة والهدوء. ولا تكن قراراتك انفعالية(Reactive) مدفوعة بالكبرياء والعنف والتسرّع. فالبيت الأبيض ليس مدرسة أو حُجرة تُعدّ فيها الأبحاث والدراسات القيادية(Leadership Simulations) ؛ القرارات الخاطئة على المستوى الرئاسي غالباً ما تكون فادحة.

- لا تتخذ القرارات معتمداً على قلبك وحده. فللحكمة دور كبير، وكيفما دار الأمر، لا تُسلّم عقلك الزمام دون أن تشاركه الرحمة.

- عندما تواجهك معضلة إسأل نفسك كيف كنت سأقارب هذا الموضوع لو لم تكن أميركا الأغنى والأقوى في العالم. هذا سيغني خياراتك وسيجعلك تقدر اكثر حال معظم شعوب العالم وبخاصة الضعفاء والفقراء.

- أنشئ "مجلسًا استشاريًّا خياليًّا" من حكماء التاريخ، واسأل نفسك دائما قبل اتخاذ القرارات الكبيرة: ما هو القرار الجماعي الذي كانت لتتخذه لجنة استشارية تضم أمثال لنكولن، وروزفلت، وودرو ولسون، وتشرشل، ومانديلا، ومارتن لوثر كينغ، وغاندي؟ إنّ جميع رؤساء الدول يمكن أن يستفيدوا من الاستنارة بأمثال هذه المنارات من الحكمة والقيم العظيمة.

- قريبا جدا، سيبدأ العالم أجمع بتحميلك المسؤولية في استمرار الفوضى التي ما زالت تتوالد منذ دهور وعصور. وعلى الرغم من أن القيادة تقتضي الإصغاء إلى آلام الناس والتعاطف معهم بعمق، فإنها تتطلّب أيضاً تذكير الناس دائماً بأنّ الارتقاء إنما يكون عندما يملك كل إنسان زمام حياته، وعندها يؤدي دوره في إيجاد الحلول المناسبة لمشكلاته.

- إنه لمن حقّ الشعب الأميركي أن يتوقع جهودك لتحسين حياتهم. ولكني أرجو أن تتذكّر التزاماتك الأخلاقية والعملية تجاه سائر العالم. فأن كونك الأغنى والأقوى والأعلم يرتب عليك واجبات، لا سيما في عالم متداخل ومتكافل كعالمنا. إن صممت آذانك عن آلام العالم فإن هذا سيطارد رئاستك وأمتك. وكما أن العالم سيكون بخير إذا كانت الولايات المتحدة هنيئة، فإن أميركا أيضا ستعاني إذا كان العالم يبكي. كم أتمنى أن يقلَّ عدد الأعلام الأميركية التي تُحرَق على شاشات التلفزة خلال مدة رئاستك.

- أصغ إلى أعدائك وحاورهم تماماً كما تفعل مع أصدقائك وحلفائك، فأنت تحتاج إلى التواصل مع خصومك لتصنع السلام، وفي كلامهم تكمن حِكَم ثمينة.

- مهما كنت حسن النية ومتحمساً وبارعاً، فتقبّل أنك لن تستطيع حلّ معظم مشاكل وطنك، فكيف العالم. وما من رئيس يستطيع أن يفعل شيئًا من ذلك دون مشاركة الشعب مشاركة فعلية. الناس كثيرا ما يحتاجون إلى تذكيرهم بأن حلّ مشاكلهم في أيديهم هم. "نحن معاً نستطيع" أن نحل مشاكلنا (Yes WE can).

- سيدي الرئيس، قرّر منذ الآن كيف ترغب أن تُذكر واستفد من كل يوم لتشييد بناء تراثك.

- وما دام يُتوقّع منك أن تبذل كثيرا من وقتك في إدارة النزاعات وإخماد النيران، حاول أن تعالج مشكلة أو مشكلتين من المشاكل العالمية المزمنة التي تعصف بحاضر الإنسانية وتهدد مستقبلها. أما باقي التحديات، فإن مساهمتك الكبرى هي في استعمال سلطة منصبك لخلق الوعي العالمي (Global awareness) وتوجيه الإنسانية وحضها لكي تُعالج مسائلها المضطربة.

- لا ريب في أنّ التحدي الأعظم الذي يواجهك سيكون في تغيير الذهنية محليا وعالميا. فالعواصف المالية والبيئية والأخلاقية والارتجاجات العنيفة التي تجتاح العالم إنما هي انعكاس محض للمبادئ العليلة التي توجه السلوك البشري. ورغم أنّ صالح الانسانية هو مسؤولية كل إنسان، لكنك أنت في الموقع الذي يخولك أن تجعل العالم كله، وليس حكامه فحسب، يتبصّر في مسار حياته والمصير الذي ينتظره.

سيدي الرئيس، إن هذه الرسالة المتواضعة قد لا تضيف شيئا من التبصّر إلى حكمتك ورؤيتك. ومع ذلك، فإنني آمل أن تكون قد دعمتها. وأتمنى أن يكون عهدك بركة على الإنسانية جمعاء. أعرف أنك لا تستطيع أن تداوي العالم، فجهود الأنبياء والقديسين لم تحقق ذلك. لكن حاول أن تكون صوتا صارخا للضمير والأمل، واسع كي تخفف بعضا من الآلام الكثيرة غير المبررة التي تكابدها أشكال الحياة كلها، لا الانسانية وحدها.

إنّه لعالم رائع الجمال هذا الذي يمكنك أن تراه ملخّصا في زهور حديقة بيتك الأبيض وعلى وجوه أطفالك كلما تبسموا. إنه عالم لجدير بالتضحيات: أجل، إنك تستطيع (Yes YOU can) .

تحياتي الطيبة،

مايكل كولي

Michael Kouly

January 20, 2009

(michael.kouly@post.harvard.edu)

Wednesday, August 6, 2008

هل حقاً نستطيع أن نعيش سوياً؟


هل حقاً نستطيع أن نعيش سوياً؟


بقلم: مايكل كولي*

والشيخ ابراهيم رمضان

*(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

"الشيعة باطنيون"، "السنة اتباع السلطة"، "الدروز غدّارون"، "المسلمون دمويّون"، "المسيحيون كافرون يعبدون الخشبة... وفاسقون"... هذه عينة من أقوال شائعة تتردد في أنحاء العالم، يلجأ إليها أعضاء في مجموعات دينية ومذهبية ليذم واحدهما الآخر، وتعكس جزء من الثقافة الشعبية في موضوع النظرة الى "الآخر". واللافت في هذه الثقافة، عدا كونها بالطبع غير دقيقة او موضوعية او لائقة، أنها تبحث عن اهانة الآخر، حتى لو أعوزها ذلك إلى تَعمية التعميم، وتبني معلومات غير ثابتة كما هي الحال في اغلب المعارف الشعبية التي لا تخضع لحاكمية المناهج العلمية ونقدها. ومع ذلك فهي تبقى جديرة بالدرس والاهتمام، ليس لتكون مصدرًا للمعلومات التي تسوقها، ولكن لكونها تفصح عن دخائل النفوس وحقيقة المشاعر إذ هي خلاصة لموروث تاريخي طويل، وانعكاس صادق وغير مهذّب لأفكار المجتمع وميوله.

الأفرقاء المسيحيون والمسلمون والدروز واليهود والهندوس والبوذيون، على إختلاف مذاهبهم، هم من وجهة ما، اطرف في نزاع تاريخي، تجسد على مدى مئات السنين بحروب طويلة ودموية. وقد نمى على هامش هذا الصراع وامثاله نظريات كثيرة في التاريخ والاجتماع، ليس آخرها نظرية صراع الحضارات الذي يشمل بعناوينه العريضة المسيحية والأسلام واليهودية والهندوسية والبوذية. وجدير بالتنبه أن هذا الصراع، وإن كان واحدًا من الصراعات الحادة والمؤثرة بشكل كبير على واقع البشرية ومستقبلها، إلا أنه لا يُلخص الصراعات التي يشهدها العالم، لا من حيث الإيدولوجيا ولا من حيث التاريخ ولا من حيث الديموغرافيا. فالنزاعات والصراعات سبقت اختلاف الأديان، والعالم انقسم أديانًا ومذاهب كثيرة، ناهيك عن الانقسامات العرقية والفكرية والطبقية والمناطقية وسوى ذلك. لذا فإن دراسة النزاعات لا ينبغي أن تنحصر في وجهة نظر تقصره على صراعات بعينها كالتي بين الطوائف او المذاهب او الأعراق او الأوطان او الأثنيات او الطبقات الأجتماعية او التيارات الفكرية، ولو كان اشتعالها يحيط بنا ويكوي أجسادنا. ولا بد من انطلاق النظرة عبر دراسة اعمق تصل الى مفهومي "الأنا" و"الآخر" الأساسيين في العلاقات البشرية، وليست المحاولات التي ضاعت في زواريب الانتماء للأفكار أو في متاهات الأمكنة، بين أديان وأيدولوجيات أو بين شرق وغرب، إلا سعي دون بوصلة أو دليل، أما البحث المجدي هو الذي ينطلق من فهم دقيق للمقابلة بين "الأنا" و"الآخر"، على اعتبار ان الفرد اساس المجموعة، والولوج من خلال ذلك لفهم الهوية وتشكلها وتصادمها.

فلقد اعتاد الناس أن يُعرِّفوا عن أنفسهم بانتماءاتهم، فتارة يعرفون بالجنسية والقومية، وتارة بالدين والمذهبية، والمشترك في هذه التعريفات أنها تنطلق في الجوهر من ولاء الإنسان لتشكل مجموعته او مجموعاته في مقابل الآخرين.

وفيما تكشف هذه التعريفات عن كيفية نشوء الهوية، تدفعنا المشاعر السلبية التي تبرز في الكلام المتداول همسًا عن "الآخر" للتساؤل عن إمكانية العيش سويًا، بل إن مشاهدة نشرة إخبارية واحدة كفيلة بأن يتبادر هذا السؤال: هل حقًّا نستطيع أن نعيش سويًا؟ إلى الواجهة، ليطرح نفسه كأحد أبرز أسئلة القرن الحادي والعشرين، ويضع المجتمع البشري أمام تحدٍّ كبير يتهدّد وجوده واستقراره، ويستفز عقلاء الناس ليبذلوا جهدهم إجابةً أو تأثيرًا على الجواب.

وفي محاولة الإجابة يتفرق الباحثون، وينقسم الدارسون بين من يرى أن لا إمكانية البتة ليعيش الناس "المختلفون" سويًّا، بعد أن فرّقت بينهم الانتماءات، وباعدت تراكمات أحقاد التاريخ من عداوات وثأر بينهم. ويرى هذا الفريق أن مجرد طرح هذا السؤال دليل على صعوبة العيش سويًّا، فالمجتمعات لم تنسَ رغم كل الأزمنة التي تراخت، ما قاسته من جراء التحارب، كما احتفظ كل فريق بروايته الخاصة الكاملة والمفصلة للأحداث، بحيث تظهر روايته بما لا يدع مجالاً للشك، كم ظُلمَ واضطُهدَ، وكم كان الطرف "الآخر" مجرمًا ووحشيًّا وظالمًا، وكيف أن ثقافة "الآخر" لن تردعه عن إعادة الظلم، إن لم نقل سوف تشجعه على ذلك عندما تسمح له الظروف.

ويسرد هذا الفريق من أخبار الماضي والحاضر ما يؤكد صدق ظنه ورجاحة مذهبه، فالحروب تتجدد بشكل وحشي في أماكن عدة من العالم إن كان في أفريقيا الغارقة في سواد الفقر والجهالة، أو في آسيا النامية، او في الشرق الأوسط الغارق في النفط والدم، أو في أوربا الرافلة في ثوب المدنيّة المزركش، أو في أمريكا التي لم ينسَ التاريخ كيف أفنى فيها الرجل الأبيض السكان الأصليين، ثم استقدم السود لأستعبادهم. وتحت وطأة ما ذكر فإن هذا الفريق يرى أن تكرار محاولات العيش مع الآخر لن يؤدي إلا لمزيد من الآلام والمذابح، وقد رأينا ما حصل ويحصل في لبنان، والبلقان، روندا، والبوسنة، وكوسوفو، ونيويورك والعراق... فلو كان في التاريخ امثولة فهي انه على كل مجموعة ان تعيش لوحدها لتقليل الأحتكاك السلبي "بالأخرين" "الغرباء".

وعلى الجهة الأخرى ينادي فريق آخر من الباحثين بهذا العيش، ويأمل في نجاح هذه التجارب، وهو يقرأ في صفحات مشرقة من كتب التاريخ، أثبت فيه الإنسان أن تعاطفه مع أخيه الإنسان أقوى من أصوات الفرقة والاختلاف، ومن الإيديولوجيات الداعية إلى احتقار الآخر وعدم الثقة به. ويطيب لهؤلاء أن يتغنوا بالفلسفة الإغريقية التي وضعت حجراً أساسياً في مفاهيم الديموقراطية وبناء دولة المؤسسات، وبالمحبة المسيحية التي وسعت الأعداء وغفرت أذاهم وباركتهم، وبالرحمة الإسلامية التي فتحت أبواب المعرفة على مصارعها حين قبلت الآخر في ثقافته وعلومه فتشكلت فيسفاء المجتمع الأندلسي. وهم يستندون على هذا ليقولوا إن الإنسان أخو الإنسان ولا اكتمال له إلا به، وإن قبول الآخر والتكامل معه مصير حتمي سوف يختم المسيرة البشرية التي ابتدأت من نفس واحدة.

وهناك رأي في الوسط يرى أنه من الخطأ إهمال أحد الرأيين، إذ في كليهما الصواب، ولذا فإن تعايش المجموعات المختلفة على مقربة ودون حدود مادية او معنوية او بدون وجود سلطة حاوية ومنظمة (Holding Environment) ومتوافق عليها أشبه بوضع النار أمام البارود، كما أن فكرة استغناء فريق من الشعوب عن "الآخر" وانعزاله عنه فكرة غير مجدية، لذا فإنه من الأفضل أن تعيش الشعوب المختلفة والمتصارعة في بيئات متجاورة بأقل حد ممكن من التداخل الغير منظم، ويكون التفاعل بينها مضبوطًا عبر القوانين والأعراف والمؤسسات العامة والخاصة والجمعيات الثقافية والفنية والرياضية و الأجتماعية، ويتنامى هذا التفاعل بروابط من أهمها العلاقات الاقتصادية والتجارية، حتى تصل إلى حال من التوازن يسمح بشيء من التقارب التدريجي على طريق الاندماج الكلي، في بعض الحالات إذا امكن، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى التجربة الأوربية التي قطعت شوطًا كبيرًا في هذا مضمار جمع المتصارعين ولكنها أخفقت عندما بالغت بالطموح فتسرّعت بالخُطى نحو الدستور الموحد، حيث أصرت بعض الشعوب على الاحتفاظ بخصوصياتها فأسقطت هذا الخيار، وهذا ما يظهر التناقضات الظاهرة في حركة الشعوب نحو الإندماج او التباعد، ففي حين تبني أوربا اقتصادها الموحد وسوقها المشترك، تسعى دول البلقان نحو الاستقلالية والتحرر، وتعجز الدول العربية عن أن تجمع ما تفرق ولو تحت عناوين متواضعة، وتنجرف المكونات اللبنانية نحو مزيد من الانقسامات والتشرذم.

وللتعمق أكثر في الإجابة لا بد من الإطلال بشكل أوسع على مفهوم "الأنا" و"الآخر"، وعليه: فالإنسان هو عبارة عن مجموع "الأصوات" التي يتردد رجعها في النفس، وهي تحدد انتماءه للأشخاص، والمجموعات، الذين اعتمد عليهم لتأمين قوته وحمايته وبالتالي وجوده، وهو في مقابل ذلك يدين لهم بالولاء الذي يضمن الأستمرار، على رأي المثل العامي: "الذي يأكل من خبز السلطان، عليه أن يحارب بسيفه". ونتيجة لذلك فإن الإنسان هو مجموعة من الولاءات لأركان البيئة التي احتضنته من أم وأب وأخوة وأقارب ومجتمع ودين ومذهب وثقافة، وهو تقريبًا مسير بهذه الولاءات، وقلما تسنح له الظروف أن يتخذ قرارًا ذاتيًّا أو مستقلاً عن هذه "الأصوات" خوفا من ان يٌعزل من قبل مجموعته الحامية والراعية فيندثر، إلا إذا وجد بيئة بديلة تؤمّن استمراره بشكل افضل، وليس خافيًا أن نظرة الإنسان "للآخر" تعتمد بشكل تام على هذا الموروث، فبالرغم من أن "الآخر" مماثل في آلية نشوء الهوية و الكينونة، بمعنى أن "الآخر" هو "الأنا" ولكن بولاءات مختلفة أملتها عليه بيئته الحاضنة، فإن النظرة إلى "الآخر" تعتمد على الوعي الجماعي وموروثاته، ومن خلال هذا الوعي ينصبغ "الآخر"، والوعي الجماعي ينظر إلى "الآخر" بمعيار واحد وهو مدى خطورته وإلى أي حد يمكن اعتباره عاملاً مساعدًا أو مهددًا للوجود؟ بعبارة أخرى إن النظرة "للآخر" تعتمد على دينامكية العلاقة بين ولاءاتنا بكل ما تشمله من أفكار واهتمامات واختيارات من جهة، وبين ولاءات "الآخر" من جهة أخرى. ما يؤكد أن موضوع تقبل "الآخر" أو رفضه ليس موضوعًا ذاتيًّا أو شخصيًّا، لا من حيث "الأنا" ولا من حيث "الآخر"، وأن جوهر القضية هو هل ما نمثله يستطيع أن يعيش مع ما يمثله "الآخر"؟ وبتعبير توضيحي مبسّط جداً، ان كل فرد يمثّل شريط تسجيل مطابق للآخر من حيث المكونات والصنع ولكن كل شريط يحمل الحان مختلفة عن تلك التي يحملها "الآخر" سجلتها غالباً من دون إذن البيئة التي احتضنته. لذلك فان الصراعات ليست في الجوهر بين الأفراد بل هي بين "الألحان" المختلفة التي يحملونها اي بين البيئات والأرث والقيم التي يمثّلون.

من نافلة القول إن هذه الولاءات التي نحملها هي مركَََّبة يتقدم بعض جوانبها على بعض أو يتأخر بحسب الظروف، وإن الجانب المهدد من الشخصية والموروث هو الذي يحتل الأهمية ويصبح أكثر حساسية من غيره، وبالتالي فإن ما يتردد من أن "الآخر" هو المختلف في الدين سببه استشعار الخطر على هذا المكوّن الأساسي في الشخصية والهوية، وأن تراجع هذا الخطر سوف يبرز بالتأكيد جانبًا آخر في الهوية يكون هو محور الاختلاف والبعد المُشكِّل لمفهوم "النحن" و"الآخر". فمسيحيو مصر نظروا إلى البريطاني أنه عدو محتل، دون أن يعتبروا اتفاقهم معه في الدين، فانحازوا إلى الشريك المسلم في القومية والوطنية، لأن المكون المهدد كان القومية والجنسية، وكذلك المسلمون في العالم العربي تحالفوا مع بني قومهم من المسيحيين، فاستعانوا بالبريطاني على العنصر التركي، الذي يشترك معهم في الدين، عندما كان المكون المهدد هو القومية واللسان والوطن. هذا ولا سيما وأن مفهوم "الآخر" سبق الخلافات الدينية، حتى كانت هذه الجدلية بين "الأنا والآخر" حكاية التاريخ، حيث القصص التي يتغير أبطالها وتتكرر أحداثها، فمن قايين وهابيل بحسب الأرث الديني إلى يوم الناس هذا، والاختلاف يأخذ في كل مرة شكلاً جديدًا أو قديمًا، من دين وعرق ولون وجنسية وقومية ومناطقية وطبقية ...

لقد شكّل مفهوم "الآخر" جانبًا أساسيًّا في جوهر الوجود الإنساني، ولم يكن تشكل هذا الاختلاف سوى تظهير له في وجوه متعددة، أما جوهر "الآخر" فقد سبق الديانات وغاص أعمق من الحضارات والفلسفات، وهل اختلف قايين مع أخيه في الديانة، أم أن الحضارة التي تملكتهما كانت مختلفة؟.

قصص التاريخ المكررة هي عبارة عن نجاحات وإخفاقات في العيش مع "الآخر"، وهكذا ستظل حال البشرية، طالما بقي الإنسان خائفًا على حياته وهمه التمسّك بها، وطالما بقي التمايز بين الناس يطل في كل مرة بقِناعات مختلقة، وقَناعات مختلفة.

هل حقًّا نستطيع ان نعيش سوياً بسلام؟ الجواب: هذا يعتمد! (It depends). فمن الرقي أن يصل الإنسان إلى حالة من الانسجام مع الذات بحيث يرى أن الجانب المشترك مع بني جنسه أكبر بكثير من جوانب الاختلاف، ولكن في ظل الخوف والقلق الموروث فإنه سيكون من الصعب الوصول إلى مثل هذا السمو، ويبدو أن بلوغ هذه الرؤية سيبقى محصورًا على الأفراد اكثر من المجموعات، إذاك فإنه من المقبول أن يتوجه السعي الإنساني لإنتاج حالة من العيش مع "الآخر" ضمن ضوابط التعاون للبقاء والنمو، وهذه الحالة لا يُشترط فيها أن تكون خالية من الصراع والتنافس، ولكن المطلوب أن يكون هذا الصراع خادمًا للوجود وليس قاضيًا عليه.

فالصراع سمة الوجود ولا حياة دون صراع، أقله مع الموت وما يمثله من مرض وخوف وخطر وتقهقر، ولكن التحدي هو كيف يمكن أن يُدار هذا الصراع لحصر الأذى وللحصول على أكبر قدر ممكن من التعاون والتكامل. والإنسان لن يستطيع أن يبقى أو ينمو دون "الآخر" أو بمعزل عنه، بل إن وجود الإنسان اعتمد على "الآخر"، وتعاون معه لتأمين الكلأ والأمان. والمجتمعات بُنيت على إقامة العلاقات مع "الآخر"، بحيث يبقى الصراع في حجم غير مدمر، وتكون حدّته مقبولة، وقد ابتكرت المجتمعات لهذا آليات، لا بد أولاً لنجاحها من أن تكون مجموعة الولاءات داخل المنظومة قابلة للتعايش بحيث تكون حدة التضارب بينها مقبولة، وألا يحمل أفراد المجتمع إرثًا ثقيلاً من الخصومات والعداوات تصعب ادارته ويستنفذ معظم الطاقات.

كما يجب الاتفاق على شريعة واحدة (دستور، ميثاق، عرف او تقليد) تكون عبارة عن مجموعة قيم مشتركة وآليات يُسلّم بها سائر أفراد المنظومة ومجموعاتها، وتقوم السلطة المختارة بحماية هذه القيم والآليات من حيث العمل على تطبيقها وصيانتها، بحيث تشكل هذه القيمُ القوانينَ والأعرافَ التي يُجمع عليها سائر مكوِّنات المنظومة. ولا يمكن أن تقوم علاقة بين "الأنا" وبين "الآخر" إلا عبر الثالوث الذي يضمّهما، اعني القيَّم المشتركة. وبهذا يتشكل المثلث الثابت الذي يمكن أن يُبنى عليه العيش المتكامل، لأن "الأنا" "والآخر" دون القيم الحاكمة والمتفق عليها سيكونان وحشين كاسرين لا يمكن ضبط طريقة تعاملهما أو توقّعها.

من صلب العمل القيادي تأمين البيئة التي تحتضن المختلفين، وتعزيز القيم الإنسانية التي تخفف من حدة الصراع، والعمل على صيانتها من العوامل التي ستتعرض لها باستمرار، كما من واجباته تحسين واقع البيئة الحاوية من خلال تطوير القيم بحيث يُستثمر التعامل بين الأفراد بشكل أفضل وفائدة أكبر.

وإلى حين نجاح العمل القيادي في تأمين هذه البيئة والعمل على صيانتها، فلا قلق من ازدياد عدد وتنوّع سكان الأرض، ولكن القلق كل القلق من تناقص هذا العدد بتنوّعه المغني والمبدع نتيجة للصراعات التي لا يمكن إيقافها أو السيطرة عليها إلا بترسيخ القيم الموحّدة. وهذا هو التحدي المستمر للعمل القيادي بل للبشرية.

August 06, 2008

Michael Kouly

Wednesday, July 2, 2008

إلى فخامة الرئيس

إلى فخامة الرئيس

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu

عزيزي فخامة الرئيس،

هنيئاً لك أوّلاً على استلامك المهمة الرئاسية في لبنان. لطالما كان مشرّفاً للإنسان أن يتمكّن من خدمة مجتمعه، وخاصةً إذا ما استطاع أن يُسهم في الحد من معاناته وآلامه غير الضرورية والتي يمكن تجنّبها. حملك اليوم، فخامة الرئيس، ثقيل جداً ويتطلّب كلّ أوجه الدعم والمساعدة، لأنّ نجاحك في خضمّ النزاع في لبنان سيُنقذ حتما حياة العديد من الناس، ويدخل الأمل والطمأنينة في قلوب مواطنين كثيرين؛ أما فشلك فيمكن أن يؤدي إلى تفاقم المشكلات على اختلاف أنواعها، ويعيد البلاد إلى موجات جديدة من الحروب.

وانطلاقاً من دوري، كمفكّر في دراسات القيادية الإستراتيجية، فإنني أرغب في مشاركتك بعضاً من أبعاد علم القيادة والدروس التي أمكن استخلاصها من سلسلة الأزمات الأخيرة في لبنان. بعد إذنك، اقترح ما يلي:

التوقعات:

- تقبّل الحقيقة الصعبة بأنّ جلّ ما يمكن إنجازه في المدى القريب والمتوسط، ان لم نقل حتى البعيد، في ما خصّ امراض لبنان الجوهرية والمزمنة، هو حسن إدارتها والتعامل معها، وليس الشفاء التام منها. لبنان، فخامة الرئيس، بلد يحمل منذ نشأته تحديات بنيوية كبيرة في تركيبته وصياغته، وهي صنيعة وتراكمات مئات العقود من التاريخ.

- لذالك، لا تعد نفسك بحلّ مشاكل لبنان جميعها خلال سنوات رئاستك. وعلاوةً على هذا، لا تسمح لحماستك ورغبتك بخدمة بلدك أن يدفعاك إلى التزامات غير واقعية، لأنّها لا يمكن أن تؤدّي بشعبك إلا إلى خيبة أمل جديدة، وإلى فقدان مصداقيتك ومصداقية رئاستك أمامه.

صحيح أنّه من المهمّ جداً أن تزرع الأمل في الناس بمستقبل واعد، إلاّ أن قيادتك تحتّم عليك أن تكون واقعيا في تقديراتك وتفسيرك وعرضك للمشاكل التي يعانيها وطنك؛ القيادة، فخامة الرئيس، تطالبك أن تكون منصفاً في توقّعاتك لدورك، ودور أي رئيس حكم أو سيحكم لبنان، آخذًا بعين الاعتبار هذه الحالة اللبنانية المعقّدة، ومدى استعداد المواطن في لبنان للمساهمة الفعالة في بناء الوطن السليم الموعود.

- أرفض اي افكار لتقيّم عهدك على اساس مقاييس كمثل "الأداء في المئة يوم الأولى" المتّبعة في بعض الدول الغربية. أن محدودية سلطاتك الرسمية وغير الرسمية تجعل من المستحيل ان تعالج منفردا وبزمن قصير علل لبنان البنيوية والعميقة.

- إنّ قيادتك في السنوات الست القادمة في الحكم، وعلى غرار من سبقوك، ستكون بمعظمها قيادة أزمات متلاحقة ومتعدّدة ومترابطة؛ وهذا ليس إلاّ نتيجة حتمية لطبيعة البلد ومنطقة الشرق الأوسط، وللأوضاع السياسية الدولية الراهنة. اعتقد ان عهدك يجب ان يعتبر ناجحا إذا ما استطعت تامين الاستقرار في لبنان والمحافظة عليه، والمساعدة على طرح بعض الحلول الضرورية لمشاكله الجوهرية والبنيوية لا أكثر، كي لا يعود ليغرق الوطن في دوامة العنف والنزاعات المدمرة. الحقيقة هي أنّ فصول التاريخ الحزينة تُنتج نفسها مجدّداً لأن معظم الناس يفشلون في فهم دروس الزمن والتعلّم منها! ساعد شعبك على أن يتعلّم من تاريخه حتى لا يكرره.

المسؤلية:

- ساعد مواطنيك بأن تُفهمهم أنّ إنقاذ بلدهم لم يكن ولن يكون يوماّ حملك أنت وحدك أو مسؤولية يحملها اي شخص واحد على عاتقه منفرداً، بل هو أساساً مسؤوليتهم "هم" وهو مسؤولية مشتركة تجمعهم جميعاً. قل لهم أن يقلعوا عن تراشق اللوم وأن يتوقّفوا عن تحميل بعضهم البعض ذنب ما وصلوا إليه، لأنّ قوانين الحياة تقضي بأنهم يحصدون ما زرعوا. وحاول أن تُشركهم فعلاً وقولاً في تضميد الجراح التي أنزلوها بحق بعضهم البعض. تذكّر أنك اليوم السلطة العليا في لبنان، وأنّ الشعب اللبناني المضطرب والتعب قد علّق عليك آمالاً عريضةً، بصفتك "المنقذ" الذي لا بدّ من أن يُحقّق الحلم في حياة لبنانية آمنة ومزدهرة، بينما سيُكملون "هم" مسيرتهم متمسكين بأنماط تصرفاتهم التي لا تخلو من العيوب والاختلال.

لن يتوانوا، فخامة الرئيس، عن استعمال كلّ ما هو ممكن من خداع وإغراءات وحجج واهية وابتزاز سياسي لدفعك وحدك نحو تحقيق هذه الأهداف، إن لم أقل نحو هذه الفخ. قد يكون في تصرّفهم هذا طبيعة اجتماعية انسانية لا يمكن التهرّب منها، ولكنّه ليس إلا وسيلة تستخدمها المجتمعات عادةً لتخفّف من أعبائها وتنأى بنفسها عن تحمل مسؤولية تصرّفاتها التي أوصلتها إلى ما تجابهه من مشكلات، عدّد ولا حرج... فأنت "الرئيس القائد العماد البطل المخلّص" المرتجّى أن يُنقذ لبنان، وهم يتفرجون وكأنّ ما وصل إليه وطنهم لا ناقة لهم فيه ولا جمل!!!

سيحاولون جميعهم، فخامة الرئيس، أن يتنصّلوا من قبول أي التزامٍ فيه تعديل لقيمهم، أو أن يتبنّوا أي ذهنية جديدة تسعى إلى حل جذري لمشاكلهم المتراكمة والمتزايدة يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة.

القيادة، في مثل هذه الحال، فخامة الرئيس، وأنت المطلّع والمدرك، تتطلب التذكير الدائم لشعب هذا البلد وناسه بأنّ خلاصه في أيديه هو، وأن أي تقدّم أو تطوّر منشود يحتّم على كل مواطن، وعلى كلّ مجموعة دينية كانت أم مدنية تُعنى بالشأن العام، أم اقتصادية أم سياسية، أن تؤدّي دوراً رائداً وناشطاً في خلق الصالح العام. وأراني أجد خلال قراءتي في الصحافة اللبنانية أنّ الناس بدؤوا فعلاً يطلبون منك المعجزات لأنك مرجاتهم الأخيرة، معجزات تطهير وتنظيف عقود من الفوضى اللتي خلقوها؛ أقترح عليك فخامة الرئيس أن تبادر كل منهم بالسؤال المباشر الآتي: ما الذي تنوي أنت أن تعدني بأن تقوم به شخصياً، في أي موقع كنت، لمساعدتي على تحقيق هذا الذي تريده للوطن؟! او ان تذكرهم بجملة جون كندي الشهيرة، وللمفارقة، المأخوذة اصلاً عن اللبناني جبران خليل جبران: لا تسأل وطنك عن ما يمكنه ان يعطيك، اسأل نفسك عن ما يمكن ان تعطيه لوطنك!.

- تفاد أخطاء من سبقك من رؤساء الجمهورية اللبنانية الذين اعتقدوا أنّهم، بامتلاكهم بعض الصلاحيات والسلطة، سيقدرون على تغيير الطبيعة السياسية في لبنان، أثناء تولّيهم الرئاسة. والواقع، فخامة الرئيس، أنّ لبنان هو دولة أُنشئت لتحقيق أهداف طائفية مذهبية، من خلال المحافظة على وجود وحريّة بعض الأقليات الدينية في واحدة من أكثر مناطق العالم تديّناً وتعصّبًا للأديان والمذاهب.

إنّ عدم التوصل إلى فهم هذه الحقيقة، والحقيقة الأخرى التي تقول إنّ موقعك الرئاسي في الأصل هو جزء أساسي من عملية دقيقة جداً ومتوازنة حسابياً في توزيع السلطة بين مختلف هذه المذاهب سيعطّل دورك ويُضيف من المشاكل الجديدة ما لا يجب أن يحتمله المواطن في لبنان.

- تذكّر دائما،ً فخامة الرئيس، أنّه ورغم قسمك على صون الدستور وحمايته والتأكّد من تطبيقه كاملاً، فإنّ حماية القوانين غير المكتوبة، والأعراف والعادات والتقاليد والموروثات لا تقلّ أهميةً في حمايتها لتأمين استقرار المجتمعات عامة، والمجتمع اللبناني خاصةً.

الثبات:

- لقد استلب الدستور اللبناني الجديد من موقع الرئاسة الأولى كثيراً من قوتها التنفيذية. كما إنّ واقع السلطة في لبنان متآكل ومحكوم وخاضع بشكل كبير لقوة السلطات والتيارات المذهبية على اختلافها، ولكن ما زال من الممكن ممارسة قدر كبير من القيادة مع قليل من السلطة المتاحة أو حتى مع عدمها. على الرغم من ذلك، فهناك الكثير من أشكال السلطة التي يمكنك أن تعتمدها بوصفها أدوات قيادية. وأوج السلطة الأكيدة التي تملكها الآن، أنّ عهدك ينطلق بتأييد محلي وإقليمي ودولي واسع. دافع عن هذا الرأسمال السياسي جيداً، وثابر على تنميته وإغنائه لأنه سوف يزيد في سلطتك الرسمية ويوسّع نطاق تحرّكك وفعاليتك. والأهم من ذلك كلّه، أن تستعمل حسن سمعتك الشخصية وأن تعطيَ لنفسك قوة إضافية في أن تكون سلطةً ورمزاً أخلاقياً ومدنياً ووطنياً يمثّل القيم والمبادئ والأخلاقيات التي يطمح إليها كل لبناني (يمكن ان نناقش هذه الناحية بتفصيل اكبر واعمق في المستقبل).

- ميّز بين المشاكل التقنية وحلولها الفنية من ناحية، وبين المشاكل الجوهرية وحلولها الجذرية من ناحية أخرى. من الشائع جداً أنّ معظم المشاكل التي نواجهها تخضع لفهم وتحليل غير صائبين أو دقيقين، وغالباً ما نسعى إلى اعتماد حلول فنية لمشاكل جوهرية تتطلّب تغييراً وتعديلاً عميقاً في القيم العامة، ومبادئ التصرف العام وأساليبه، والذهنيات المختلفة والانتماءات والولاآت على اختلافها. إنّ مأزق لبنان كان ولا يزال على حاله منذ نشأة هذا الوطن لأنّ معظم الاتفاقات والمعاهدات الداخلية التي أُبرمت، وضمناً الوثيقة الأخيرة في الدوحة، كانت معالجات تقنية قصيرة المدى فشلت في التطرّق إلى معالجة جوهر إشكالية النظام في لبنان.

- أعد صياغة دور الرئاسة في لبنان انطلاقاً من التجارب الباهظة الكلفة التي مرّت خلال السنوات الماضية على البلاد، الشرق الأوسط والعالم.

- أعد الحياة إلى هيبة وصورة المنصب الرئاسي وسمعته التي تضررت كثيراً منذ الطائف. ومهما كان التواضع فضيلة شخصية، فإنّ الاستقرار يقتضي أن يشعر المجتمع بأنّه وُلد له، من جديد، "قصر رئاسي" حقيقي يمثّل العزّة والجلال والوقار ويكون موضع الافتخار. كلما زادت هيبة السلطة كبرت قوتها وقلّت الحاجة الى استخدامهاً.

- إحم نفسك من الأخطار النفسية التي قد تُصيبك وأنت رمز السلطة. التاريخ حافل بنماذج من الصالحين الذين وقعوا في فخ السلطة فأفسدت حكمهم الصائب وإحساسهم بالواقع. كن جدياً في مهمّتك، لا في اعتبارك للأنا التي فيك. سيكون لك، من الآن، عدد هائل من "الأصدقاء" وستتلقى كماً كبيراً من "المجاملات" التي لا يحتملها التواضع. تذكر أنّ معظم المجاملات هي وسيلة كغيرها من تأشيرات النفوذ إلى مصادر القوة التي تتحكم فيها وظيفتك الجديدة. إن ما يراه الناس هو دورك لا أنت. والأمر نفسه ينطبق على الأعداء والانتقادات. صُن نفسك بأن تتذكّر أنّ كل هذه الدينميات الإيجابية والسلبية التي ستتعرّض لها ذات صلة مباشرة بدورك ووظيفتك الجديدة كرئيس للجمهورية لا بشخص ميشال سليمان. لا تاخذ المدح والذم على محمل شخصي.

- أحط نفسك بأناس ذوي مستوى رفيع جدا من التفكير والإدراك والقيم الجيدة والمبادئ الأخلاقية والمهنية الحميدة والبعيدين عن المطامع والطموحات السياسية والمالية. اعمل ما يلهمك إياه عقلك، ويملي عليك قلبك وضميرك أنّه الصواب. لا تقم بأي عمل لا يمكنك ان تخبره لأولادك بإعتزاز على مائدة العشاء.

- اعتن بنفسك جيداً.

تفضل بقبول بالغ الأحترام،

مايكل كولي

Michael Kouly

Tuesday, May 13, 2008

غيروا لبنان قليلاً حتى لا يتغير كثيرًا

غيروا لبنان قليلاً حتى لا يتغير كثيرًا

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

هل اللبنانيون حمقى؟ يطرح معي هذا السؤال من راقب الوضع اللبناني وقارب ان يموت همّاً خلال العقود الثلاثة الماضية التي شهدت إندلاع وتفاقم واستمرار الحروب والأزمات في لبنان ليجد أنه يُشبه حال بَنَّاء يُجِدّ في إنشاء بيت، وقبل ان يكتمل البناء ينهار ما بناه عند مراحل معيّنة. ثم يُعيد الكرة مرات، وفي كل مرة ينهدم ما يبنيه عند المراحل عينها، دون أن يدفعه ذلك إلى البحث الجدي عن حقيقة سبب هذه "المصادفة" أو إلى العمل الحثيث على تجنبها. ويذكرنا هذا بتعريف آينشتاين للحماقة "إنها تكرار الفعل عينه مع توقّع نتائج مختلفة!".

وحتى يصار إلى تجنب هذه الصورة النصف-كاريكتورية لا بد من ملاحظة أن مشروع لبنان لا يزال يتعثر منذ عقود عند النقاط الجوهرية والتأسيسية ذاتها، وكأن الساعين لتحقيقه يدورون في حلقة مفرغة. كما لا بد من التعمق في البحث عن أسباب هذا التعثر بواقعية وشجاعة وخاصة مع تكرار العودة إلى الأقتتال الداخلي. فمع كل جولة دمار جديدة يظهر أن لبنان قد تأخر كثيراًََ بالأعتراف العلني والجماعي بأن منظومته قد فشلت بشكل ذريع جداً منذ نشأتها في توفير حياة كريمة لأبنائها وإنها مختلّة وظيفيّاdysfunctional وإن إيجاد منظومة جديدة فاعلة وظيفيّا functional سيجنّب الكثير من الألم والفرص الضائعة على البلاد والعباد. لقد جرّب لبنان لعقود، ولا يزال، مبدأ الإندماج القسري والمتسرّع لمجموعاته الغير متجانسة التي ما لبثت ان تنافرت وتناحرت في حين ان القوانين الطبيعية للعلاقات البشرية، وخاصة بين المجموعات المتنازعة، تحبذ الأتحاد الطوعي والتدرجي والمدروس لإنتاج لُحمة متينة وفاعلة ومنيعة. وعليه فقد أعاقت التجربة اللبنانية أسباب جوهرية سبقت النشأة والاستقلال وأسباب تلتها ورافقتها حتى الآن. أما بعض الأسباب الأساسية التي سبقت نشأة الجمهورية اللبنانية فمنها:

1. ارث الصراعات التاريخية: عرفت المجموعات اللبنانية غير المتجانسة قروناًًً من الصراعات العنيفة بين بعضها البعض، ما أنتج ثقافة راسخة، ما زالت مستمرة، من انعدام الثقة والنظر إلى الآخر بعين الارتياب، مما عوّق اتفاق اللبنانيين لاحقاًََ.

2. قصر الفترة الانتقالية (Transition): لقد كانت المرحلة التي انتقلت فيها المجموعات اللبنانية من التابعية العثمانية إلى مشروع انصهار وطني قصيرة جدًا، مقارنة بالوقت الطبيعي الذي تحتاجه هذه المجموعات المتنافرة للتجاوز الحقيقي لحال انعدام الثقة بينها، والاتفاق على مشروع وطن واحد وفكرته الاندماجية. وبالأخص الأجزاء التي كانت خارج المتصرفية، والتي شكلت جزءًا كبيرًا من دولة لبنان. فبعد أن كانت هذه الأجزاء تتبع ولايات مختلفة ضمن دولة عثمانية كبيرة، وجد أهلها أنفسهم، وبشكل سريع ومفاجئ تقريباًً، ينتقلون من انتمائهم إلى مجموعة إقليمية واسعة مسلمة ظلوا جزءًا منها ما يزيد عن ألف عام، لينتموا إلى مجموعة صغيرة "لبنانية"لم يكتمل نظامها، وتحكمها أقلية أقليمية مسيحية، مما تسبب بتشوش واضطراب في النسيج اللبناني. في حين أن التجارب الأندماجية التي نجحت في العالم تطلبت أجيالاً لتكتمل وتستقر.

3. تنازع المرجعيات على السلطة: طُلب من المجموعات اللبنانية التخلي عن مرجعياتها الإقليمية عثمانيةً وأوروبيةً لصالح سلطة الدولة الحديثة التي لم تثبت جدارتها بعد ولم تكن كذلك محل إجماع أو توافق عميق ولا تأسست الثقة بها بعد. هذا الاستبدال الجذري والسريع في التبعية للسلطة، والذي يشبه تخلي الأطفال عن الأهل لصالح أهل جدد، ولّد حرجًا عظيمًا كما جعل الاحتكاك بين الزعامات الداخلية أكثر حدة بسبب التنافس على النفوذ الجديد في منظومة السلطة المستحدثة. بكلام آخر لقد تطلب الكيان الجديد نقل الولاء بشكل سريع إلى مرجعية داخلية، هي الدولة اللبنانية التي لم تترسخ الثقة فيها بعد، كما تطلب أيضًا تعاون الأعداء التاريخيين لتكوين سلطة مرجعية وطنية موّحدة لسائر المجموعات اللبنانية. وهذا مطلب بالغ الطموح حتى في المجتمعات المتجانسة فما بالك في المجتمعات المتنافرة تاريخيا.

4. معاكسة الطبيعة السياسية: شكلت التجربة اللبنانية عند تأسيسها تحديًا للطبيعة السياسية في المنطقة في كون رأس السلطة مسيحي. فمع الوجاهة الواضحة لأسباب توافق اللبنانيين على أن يكون الرئيس مسيحيًّا في كيان شكل المسيحيين فيه الأكثرية عند نشأته، إلا أن هذا المنحى أتى معاكسًا لمسار "الطبيعة" في المحيط المسلم، الأمر الذي زاد حالة التوتر الداخلي والتدخل الخارجي. لا سيما وأن الشرق الطائفي والمذهبي بامتياز لم يتقبل بسهولة أن يكون للأقلية المسيحية بلد متنوّع يتولون فيه الموقع الأول في الرئاسة، بينما تتولى الطائفة التي تشكل الأكثرية في الشرق المرتبة الثانية والثالثة في هذا البلد.

وأما الأسباب التي رافقت التجربة منذ الاستقلال حتى الآن فمنها:

1. إهمال تقدير ومعالجة الأسباب السابقة: شكلت الأسباب السابقة الذكر نقاط ضغط هائلة على التجربة اللبنانية. وبدلاً من العمل القيادي على احتوائها والسعي الدؤوب للحد من انعكاساتها ونتائجها، جرى إهمالها او عولجت بشكل سطحي وتقني، وتُرك ما في نفوس اللبنانيين ليتفاعل ويزداد، فكان لكل مجموعة هواجسها وتطلعاتها التي لا تتفق مع سائر المجموعات، بل إنها قد تتناقض في كثير من الأحيان معها، ما زاد التباعد بين المجموعات اللبنانية، فتقاذفت هذه المجموعات التهم ودرجت مصطلحات مثل: المارونية السياسية، الغَبن، المحرومون. المسلمون يتهمون المسيحين بالسيطرة على الدولة والاستئثار بالسلطة، بينما يتهم المسيحيون المسلمين بأنهم لا يؤمنون بلبنان، وأنهم دائمو التطلع إلى وحدة قومية أو دينية او مذهبية، تُعيد المسيحيين أقلية مضطهدة من جديد في موطنهم التاريخي، والشيعة يتهمون السنة والمسيحيين بحرمانهم الحق في المشاركة المتوازنة في الحكم.

2. التيارات الفكرية: هبت على المنطقة مع انقضاء النصف الأول من القرن العشرين تيارات فكرية كانت بمثابة عواصف عاتية، أقلقت الكيان وأصحاب السلطة. من هذه التيارات ما هو ديني، ومنها ما هو عقدي، ومنها ما هو قومي. وكان لبنان أحد أضعف المناطق، وبالتالي فإن الاستقطاب الحاصل حول هذه التيارات أضعف الانتماء اللبناني والذي كان هشاً أصلاً.

3. ديموقراطية الفوضى: حصَّنت دول المنطقة نفسها من التيارات الفكرية والحركات الثورية بواسطة القوى العسكرية والدكتاتوريات والقمع، فيما كان التحدي الأكبر أمام لبنان أن يتفاعل مع كل هذه التناقضات والتيارات مع الحفاظ على ميزته الأساس والتمسّك بقيم الديموقراطية والحرية، ما زاد الأمر صعوبة وخلق فوضى سمحت بتفاقم الصراعات الداخلية من دون وجود لدولة ومؤسسات قوية ضابطة للصراعات.

4. الصدامات الدموية: وصلت الصراعات بين المجموعات اللبنانية إلى حدٍّ لم تعرفه قبلاً في تاريخها المشترك. وكانت الحرب الأهلية الطويلة الأخيرة والمستمرة وذات الصبغة الطائفية والمذهبية أقسى وأمرّ بكثير من الأرث المؤلم ما قبل الاستقلال، ما زاد الهوّة بين اللبنانيين وقطّع سبل التواصل. والمؤسف ان اشتداد التوتر بين المجموعات اللبنانية غالباًََ ما يأخذ منحى دموياً، كما حصل مؤخراً، مما يعمّق الجراح التاريخية ويضعف امكانات التلاحم.

5. العوامل الخارجية: مع تفلّت الأمور تُرجمت الضغوط الخارجية على المنظومة اللبنانية ذات الطبيعة "الغريبة" عن المحيط إلى تدخلات مباشرة، من خلال وجود فعلي لجيوش هذه الدول، أو مسلحيها ومحازبيها. وانضاف هذا إلى التدخلات السياسية والاقتصادية، ما جعل الأمور في أحيان كثيرة خارجة عن يد اللبنانيين. وتعززت الولاءات الخارجية التي تحوّلت مع الوقت إلى ارتباطات عضوية عميقة بحيث أمست مشكلة الولاءات للخارج التي يعاني منها لبنان الآن أعقد من تلك التي عرفها قبل وإبّان الاستقلال. هذا بالأضافة طبعاً الى الإرتدادات المستمرة لتشكيل دولة اسرائيل منذ ستون عاما.

ولكن كيف تعامل اللبنانيون المعاصرون مع هذا الواقع؟

أن أبرز المعالجات الحديثة التي قام بها اللبنانيون للخروج من الواقع المعقد تمثلت في اتفاق الطائف الذي شكل محاولة سطحية ومرحلية لإنهاء الصراع العسكري في بداية التسعينات، وإعادة توزيع السلطة بطريقة تحظى بدعم شعبي مقبول، وتقديم فرصة في الاستمرار والنجاح من خلال إقناع الأطراف المتنازعة بالتوافق على صيغة دستور معدّلة، ليتجاوزوا نظريات الاستئثار والحرمان والغَبن والهواجس.

إلا أن هذه المحاولة بقيت تقنية وتجاهلت العديد من العوامل المذكورة اعلاه وبالتالي وئدت في مهدها مع اغتيال رئيس الطائف وانصياع فريق كبير من السياسيين، خوفًا وطمعًا، لتدخلات القوى الخارجية التي ساهمت في تعزيز الهواجس والاتهامات وإبقائها حاضرة في أذهان اللبنانيين وفي قاموسهم السياسي اليومي.

بعد عرض هذه الأسباب التي أفشلت الجهود، يبدو أن المحاولة اليوم باتت أصعب مع عودة الأقتتال وازدياد التجاذب الداخلي والخارجي في المشكلة اللبنانية وبعد ثبات واقع أن جميع الحلول ما لم تمرّ بالتوافق الوطني والأقليمي والدولي المتلازم، وهذا نادر وهش، سوف تُفشّل وتُوضع أمامها العراقيل. ولكن الذي يجب أن يكون معلومًا أن الصيغة الحالية (والعيش المشترك!) المشبّعة بدماء اللبنانيين والتي لما تزل تُجرّب في الحلول المتداولة، على اساس انها افضل الممكن واقل البدائل مرارةً، قد ثبت اساسا قصر مداها وفشلها الصارخ في توفير حياة صالحة للبنانيين، وأمام المثل العامي اللبناني "من جرّب المجرّب فعقله مخرَّب"، فالحكمة تقضي أن يتم البحث عن صيغ بديلة جوهرية تكون غير تجميلية او مرحلية او ترقيعية لتحافظ قدر الإمكان على لبنان وعلى ما تبقى من قيمه "ورسالته"، وتكون قادرة في الوقت عينه على الاستمرار وعلى تجنيب الأجيال القادمة مصائب تكرار حروب اجدادهم والسعي لحل معضلات فشل آبائهم في مواجهتها (وهذا هو الأهم). ولعل هذه الصيغ تمر عبر عدة أمور أساسية منها:

· التدرج في عملية دمج الأطياف اللبنانية وانصهارها، لأن أي صيغة لا تراعي مبدأ التدرج الطبيعي، والذي هو الأمر الأساسي في نشأة العلاقات وديمومتها، محكومة بالفشل. فالوقت عامل حتمي في نضوج العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. وإذا كان المتاحبان يحتاجان لفترة خطوبة تكسر ما بينهما من حواجز لينتقلا إلى بيت واحد، فإن توحيد المجتمع اللبناني في وطن واحد رغم التاريخ والحاضر الحافل بالخصومات والنزاعات الدموية يحتاج بالضرورة إلى فسحة زمنية يعاد فيها بناء الثقة وترسيخ مقوماتها إذا أمكن. وتراكم إرث الارتياب وانعدام الثقة المتنامي يجعل من أي إلحاح على الانصهار القسري والسريع بالشكل الحالي عاملاً للانفجار وسببًا لردات فعل غير محسوبة كالتي يشهدها لبنان الآن. كما أن العامل الجوهري لبناء الثقة يتطلب منح الوقت الكافي لتشكيل نمطية جديدة من التعامل المطمئن بين الأطراف. وأمامنا شاهد واضح على رفض الاندماج السريع، فقد أوقفت الشعوب الأوروبية الوتيرة "المتسارعة" نحو أوروبا الموحدة حين صوّتت بعض دولها أخيرًا ضد الدستور المشترك للقارّة. ولا يغيب من الذاكرة والذكر الحلم العربي بالوحدة الذي لم يولد إلا سقطًا.

· اعتماد شكل يُتوافق عليه من أشكال اللامركزية الموسعة جدًا، مع الابتعاد الواعي عن فكرتي التقسيم والفدرالية اللتين يعتقد الكثيرون أنهما تشكلان خطرًا على لبنان "الرسالة"، يكون المقصود من اللامركزية الموسعة أن تعطي حرية ادارية داخلية أكبر للمجموعات اللبنانية، وتساعد مع الوقت على التدرج في بناء الثقة مع الآخر وبالتالي على الانصهار الطبيعي في مفهوم الوطن ومشروعه.

· ابتكار آلية مطاطة قادرة على التطور الطبيعي تخفف من حدة الصراع على السلطة وذلك بتوسيع دائرة المشاركة فيها ولكن بشكل لا يثير مخاوف الأستئثار ولا يعيق إنتاج القرار، وإيجاد حلول تُُريح الناس في عملية التمثيل.

· خلق بيئة حافظة وضابطة، تحفظ لبنان من التدخلات الخارجية المضرة من خلال مؤسسات سلطة متينة، يصونها جيش وطني قوي ومُعتمَد وفاعل، تضبط أمور الداخل بتحقيق متطلبات المواطن من الوطن كحفظ النظام والأمن وتأمين العدالة والنمو، وبذلك يتعزز حسّ الانتماء واحترام الدولة عند المواطن اللبناني. ومع الوقت فإن هذه البيئة، إذا كتب لها النجاح، سوف تُنشِّئ أجيالاً تؤمن بلبنان وتحقق فكرته في التكامل الوطني. وقد يكون انتخاب رئيس جديد في هذه المرحلة، فرصة سانحة للسعي لخلق هذه البيئة.

قد يقال عن حق ان هذا الطرح سهل نظرياًً وإن التحدي هو التطبيق. لكن الحل ممكن اذا توفر العمل القيادي عند امراء المذاهب وعند النخب واذا كانت لدى المجموعات في لبنان القناعة الحقيقية بالقيم التي يعلن بلدهم تمثيلها والرغبة الصادقة في العيش سويا بتوافق وبعيدا عن التسلّط. أما البديل عن إيجاد الصيغة الجريئة والخلاقة للحل، فها ان الأحداث تدل إن مصير لبنان ومجتمعاته لن يكون مختلفًا كثيرًا عن مصير الكيانات ذات البنية الهيكلية المختلّة والتي عانت من الحروب الأهلية المتكررة والانقسامات الداخلية، فالدراسات تُظهر أن هذه الصراعات لم تنته في الغالب إلا بوصاية خارجية أو بشكل من اشكال التقسيم.

يبقى ان نلاحظ مما لا شك فيه وهو أن طرح موضوع التوافق على صيغة جديدة تحافظ على القيم الجوهرية للبنان في ظل التجاذبات الحاصلة وضمن ظروف المنطقة المتغيرة والتداخلات الدولية، تجعل من هذا الطرح مادة للابتزاز، كما تدخل لبنان الضعيف في سوق المساومات الأقليمية والدولية التي لا يمكن التكهن بنتائجها.

لذا فإن النجاح في إيجاد طروحات جذرية لحل المعضلة في لبنان، يتطلب عمل قيادياً وطنياًً وحكمة وهدوءًا وتحضيرًا وإنضاجاً (غير متوفر حاليا) لمناخ يبدأ باجماع على تحصين أكبر للبنان ضد التدخلات الخارجية ويمر بالالتزام العملي بتنفيذ الاتفاقات السابقة، كاتفاق الطائف المجمع عليه ولو شكلياً ومؤقتاً، لتكون الخطوات التقنية الأولى نحو بناء الثقة والإصلاح الجوهري في لبنان.

ان الأفضل للبنان هو أن يُنقذ مصيره بيده تحت مبدأ "تغيروا قليلاً حتى لا تتغيروا كثيرًا" بإيجاد صيغة متطورة ومبدعة تتدرج فيها المجموعات نحو التعاون والتلاحم. وإلا فالواضح أن مضمون لبنان "الرسالة" التي ستصل للعالم سيكون: ان الحياة الكريمة والمتكاملة مع "الآخر" في هذا الشرق حلم مستحيل.

May 13, 2008

Michael Kouly

الحياد خيار وهمي

الحياد خيار وهمي

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

"من ليس معي فهو علي". كثر الحديث مؤخرا عن أهمية انتهاج الحياد كسياسة استراتيجية لحماية لبنان، أو غيره من دول المنطقة، من العواصف التي تهب على الشرق الأوسط، ما يذكرني بقصة الرجل المسكين الذي كان يسكن في قرية، وكان في هذه القرية عائلتان كبيرتان بينهما عداوة ونزاعات، ولقد رأى هذا الرجل أن يُنحي نفسه عن مشاكل العائلتين، فما كان منه إلا أن نأى عنهما والتزم حال نفسه، الأمر الذي لم يعجب كلا العائلتين. وبعد فترة من احتدام الصراع صار أفراد العائلتين يتعرضون له ويضايقونه، كما قاطعوا تجارته ورفضوا مصاهرته دون أن يجد من يدفع عنه أذاهم، ولم يكن العود إلى كبار العائلتين لشرح موقفه والطلب منهم أن يكفوا عنه أذى عموم الأفراد يحقق له راحة وأمنًا، إلا لفترات وجيزة. إلى أن ضاق ذرعًا بالأمر والتجأ إلى أحد الحكماء خارج القرية يستشيره، وأخبره هذا الحكيم أن الصبر أوالرحيل لا يجديانه نفعًا، وأشار عليه أن يدخل في حلف مع إحدى العائلتين، بما أنه ضعيف، وبهذا يحمي نفسه منها، وتحميه هي من العائلة الأخرى.

هذه القصة المبهمة الأسماء تكررت في التاريخ الإنساني، وقد عرف العرب في الجاهلية وبعدها نظام الأحلاف الذي غالبًا ما تلجأ إليه العائلات الصغيرة لتحمي نفسها من أذى الكبار. ذلك أن الحياد في بيئة منقسمة ومتنازعة يعود بمصاعب جمة على من يحاوله. فالحياد، كمبدأ، مخالف أساسا لقانون الطبيعة، لأن الإنسان جزء من المنظومة التي يعيش فيها، ووجوده في المنظومة مبني على علاقات نفعية متبادلة مع سائر أفراد المنظومة وهي تستفيد منه وقد تعتمد عليه، ولن يمكنه في غفلة من الزمن أن يتنكر لذلك ويعيد صياغة العلاقات من تلقاء نفسه دون الأخذ بالاعتبار موقف باقي الشركاء في ذلك. هذا الكلام ينطبق على أصغر الموجودات وأبسطها تمامًا كما ينطبق على أكبرها وأعقدها؛ فالجسم كل متكامل العضو فيه لا يستطيع أن يقرر متابعة عمله أو تحويره أو اعتكافه بعزلة عن عمل سائر الأعضاء وعن المستجدات التي تحصل في داخل الجسم وفي محيطه، وكذلك الإنسان في مجتمعه لا يستطيع أن يتابع تعايشه مع سائر أفراد المجتمع بشكل طبيعي دون أن يتأثر بالانقسامات والتفاعلات الحاصلة، وكذلك المجموعات كالأحزاب والدول لا تستطيع أن تستمر على ما هي عليه من طبيعة العلاقات مع سائر أفراد منظومة المحيط والمجتمع الدولي دون أن تتأثر بخلافات هؤلاء الأفراد، لأن سائر الأفراد سيعيدون تقييم العلاقة على قاعدة أن هذا الفرد المركب ( الفرد أو المجموعة أو الحزب أو الدولة) لم يناصرهم في هذا الصراع، لا سيما إذا كان الصراع وجوديًّا، أو عندما يتعرض أحد الأطراف إلى اعتداء ويصبح ضحية، أو يصنف نفسه كذلك، لأن ترك مناصرته آنذاك يؤدي إلى فقدان الثقة بأخلاقيات المحايد ووقوفه مع مبادئه وقيمه، ما يحعل النظر إليه على أنه خائن أو متواطئ مع الظالم، على ما جاء في المثل: الساكت عن الحق شيطان أخرس.

وفي حال استطاع فريق أن ينهج سياسة الحياد ويتبنى جهة الوسط، فإن هذه المحاولة ستكون مؤقتة ولن تقوى على الاستمرار، لأن الحياد موقف حاد، وهو في كونه موقفًا، تمامًا كالانحياز، إلا أنه أصعب، لأن إمساك العصا من الوسط يحتم البحث عن نقطة الارتكاز، بينما إمساك الطرف يسمح بإمساك العصا من سائر مساحاتها باستثناء نقطة الوسط.

كما أنه كلما زاد الصراع حدة ستزداد الضغوط على الحيادي لا سيما في الصراعات المصيرية وعند الاحتياج إلى دعمه، كما سيشكك سائر الأفراد بحياده، مما يجعله خصمًا للجميع. وبعد محاولته أن يتجنب معادة طرف من الأطراف يصير عدوًّا للأطراف كافة. حتى الأديان التي عُرفت بالتسامح نظرت إلى هذا الخيار بحدة؛ فقد جاء في الإنجيل: "من ليس معي فهو علي"، كما جاء في القرآن: "ومن يشاقق الله ورسوله ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا". وليس غريبًا تبني الإدارة الأمركية هذه الفلسفة علانية، بعد أحداث 11 من أيلول، حين صرّح الرئيس الأمركي: من ليس معنا فهو ضدنا.

فالحياد بالرغم من أنه قرارقد يتخذه الإنسان بمفرده، إلا أنه لا يعتبر حيادًا إلا بعد موافقة أصحاب النزاع عليه لأنه قد يخدم مصالحهم (مثال الحياد السويسري الذي وافق عليه العالم كونه خدم حاجة دولية)، ولذلك فإن هذا الخيار يحتاج لجهد متواصل ومكلف ومرهق أن كان من حيث إنتاجه أو صيانته، كما يتطلب حركة دؤوبة من الاتصالات لتوضيح المواقف ولإدارة العلاقات، وهات أن ينجح ذلك كله في تجنب عداوة أطراف النزاع. وفوق ذلك فإن الموقف الحيادي قد يبقى مفتقرًا إلى قوة ذاتية كبيرة تفرض على الأطراف المتنازعة الوقوف عند حدٍّ في التصعيد من الضغوط الاستقطابية التي تمارسها. وقد احتاجت الأطراف الحيادية عبر التاريخ إلى بناء تحالفات تؤمن لها قوة ردع لضغوطات الأقطاب المتصارعة التي قد تصل إلى إعلان حرب ومباشرتها على من يحاول الحياد.

على ضوء ما تقدم فإن لبنان، وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي تطارد المنطقة وتزداد حدة، لن يمكنه أن يكون حياديًّا، إلا بموافقة جميع اطراف النزاع في الخارج، وهذا مستبعد كون لبنان الضعيف اداة فاعلة في صراعات محيطه، ولأنه بمثل هذا القرار سوف يعادي الجميع، وبالتالي سوف يخسر الدعم والحماية الذين يحتاجهما لمواجهة عواصف المرحلة وتحدياتها، والمفارقة أن الذين يمكن أن يحموه هم أنفسهم يتجاذبونه، كما أن مكوّنات المجتمع اللبناني السياسي لن يمكنهم الإخلال بسلسلة التزاماتهم مع أطراف النزاع الخارجي الذين أسلفوهم الدعم الكبير بشتى الطرق ليكون لهم ردفًا وسندًا عند الحاجة إليهم، وصعب على لبنان كدولة أن يستطيع الوصول إلى موقف داخلي موحد لأن تحالفات المجموعات اللبنانية مختلفة ومتأصلة ومتناقضة، والانحياز إلى طرف دون طرف سوف تكون له مضاعفات سلبية على الصعيد الداخلي، ترسيخًا للشرخ، وتعميقًا لحال انعدام الثقة والاطمئنان، ما يلوح بأزمات قد تظهر مواجهات وحروبًا.

غاية ما في الأمر أن الحديث عن الحياد، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، في جوهره حديث عن شكل معقد وصعب من أشكال العلاقة مع المحيط، وهي، أي العلاقة، متراوحة بين العداء والتحالف، مع ما تشمله هذه الصور من مراتب متدرجة. وكترتيب تقني، فقد أمنت الدساتير في البلدان الديمقراطية مكانكية لصياغة العلاقات مع المحيط، فبنت سياساتها الخارجية على المسلمات الوطنية الجامعة (المفقودة في لبنان)، واشترطت دعم الغالبية في الخيارات الكبرى، وكفلت للأفراد والمجموعات حق التعبير وحرية الآراء السياسية، على أن تكون هذه الحرية ضمن القوانين، وغير ملزمة لعموم المجتمع.

أن سيناريو لا شرق ولا غرب قد جرب مرارًا من دون جدوى وأثبت أنه ليس حلاًّ طبيعيًّا وهو أصلاً معاكس لمنطق الحياة والبقاء والاستمرار الذي يتطلب التفاعل وليس الانعزال. إن الحياد في الحياة حل تقني، مصطنع، صعب، معقد، مرهق، قصير المدى، مؤقت، لا ينتج استراتيجية متقدمة ولا يمكن اعتماده ولا الاعتماد عليه خاصة من قبل الضعفاء وفي بيئة متوترة ومتحركة. انه مقاربة تكتيكية وربما هروب من تحدي مواجهة الواقع والارتقاء إلى مستوى معالجته بكل ما يتطلب ذلك من تطوير في القناعات والقيم والقدرات والتواصل والتفاهم والتعاون والتسامح والتكامل مع الآخر. بل إنه إقرار بنضوب الخيارات الأخرى والقدرة على الخيال والإبداع. والمقلق أن يكون السعي للحياد تغليفاً أنيقاًَََ لقناعة خطيرة تخدع الذات فتحمّل الآخرين في الخارج مسولية تحديات الداخل وتتجنب مراجعة النفس بقصد تطويرها وتنقيتها من عيوبها الباطنة. إن الخيارالجوهري (للأفراد والمجتمعات والأوطان) يكون في لعب دور ريادي كامل ضمن المحيط بعد تمتين المناعة الفردية والوطنية وتعزيز ولاءات مكونات المجتمع تجاه بعضهم البعض وتجاه الكيان وهذا بالطبع يحتاج الى استبدال القيم الضارة بقيم جديدة مفيدة مما يتطلب حتما "عمل قيادي" فذ ندر في بلد كثرت فيه "القيادات".

Michael Kouly


نيسان 2008