Wednesday, July 2, 2008

إلى فخامة الرئيس

إلى فخامة الرئيس

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu

عزيزي فخامة الرئيس،

هنيئاً لك أوّلاً على استلامك المهمة الرئاسية في لبنان. لطالما كان مشرّفاً للإنسان أن يتمكّن من خدمة مجتمعه، وخاصةً إذا ما استطاع أن يُسهم في الحد من معاناته وآلامه غير الضرورية والتي يمكن تجنّبها. حملك اليوم، فخامة الرئيس، ثقيل جداً ويتطلّب كلّ أوجه الدعم والمساعدة، لأنّ نجاحك في خضمّ النزاع في لبنان سيُنقذ حتما حياة العديد من الناس، ويدخل الأمل والطمأنينة في قلوب مواطنين كثيرين؛ أما فشلك فيمكن أن يؤدي إلى تفاقم المشكلات على اختلاف أنواعها، ويعيد البلاد إلى موجات جديدة من الحروب.

وانطلاقاً من دوري، كمفكّر في دراسات القيادية الإستراتيجية، فإنني أرغب في مشاركتك بعضاً من أبعاد علم القيادة والدروس التي أمكن استخلاصها من سلسلة الأزمات الأخيرة في لبنان. بعد إذنك، اقترح ما يلي:

التوقعات:

- تقبّل الحقيقة الصعبة بأنّ جلّ ما يمكن إنجازه في المدى القريب والمتوسط، ان لم نقل حتى البعيد، في ما خصّ امراض لبنان الجوهرية والمزمنة، هو حسن إدارتها والتعامل معها، وليس الشفاء التام منها. لبنان، فخامة الرئيس، بلد يحمل منذ نشأته تحديات بنيوية كبيرة في تركيبته وصياغته، وهي صنيعة وتراكمات مئات العقود من التاريخ.

- لذالك، لا تعد نفسك بحلّ مشاكل لبنان جميعها خلال سنوات رئاستك. وعلاوةً على هذا، لا تسمح لحماستك ورغبتك بخدمة بلدك أن يدفعاك إلى التزامات غير واقعية، لأنّها لا يمكن أن تؤدّي بشعبك إلا إلى خيبة أمل جديدة، وإلى فقدان مصداقيتك ومصداقية رئاستك أمامه.

صحيح أنّه من المهمّ جداً أن تزرع الأمل في الناس بمستقبل واعد، إلاّ أن قيادتك تحتّم عليك أن تكون واقعيا في تقديراتك وتفسيرك وعرضك للمشاكل التي يعانيها وطنك؛ القيادة، فخامة الرئيس، تطالبك أن تكون منصفاً في توقّعاتك لدورك، ودور أي رئيس حكم أو سيحكم لبنان، آخذًا بعين الاعتبار هذه الحالة اللبنانية المعقّدة، ومدى استعداد المواطن في لبنان للمساهمة الفعالة في بناء الوطن السليم الموعود.

- أرفض اي افكار لتقيّم عهدك على اساس مقاييس كمثل "الأداء في المئة يوم الأولى" المتّبعة في بعض الدول الغربية. أن محدودية سلطاتك الرسمية وغير الرسمية تجعل من المستحيل ان تعالج منفردا وبزمن قصير علل لبنان البنيوية والعميقة.

- إنّ قيادتك في السنوات الست القادمة في الحكم، وعلى غرار من سبقوك، ستكون بمعظمها قيادة أزمات متلاحقة ومتعدّدة ومترابطة؛ وهذا ليس إلاّ نتيجة حتمية لطبيعة البلد ومنطقة الشرق الأوسط، وللأوضاع السياسية الدولية الراهنة. اعتقد ان عهدك يجب ان يعتبر ناجحا إذا ما استطعت تامين الاستقرار في لبنان والمحافظة عليه، والمساعدة على طرح بعض الحلول الضرورية لمشاكله الجوهرية والبنيوية لا أكثر، كي لا يعود ليغرق الوطن في دوامة العنف والنزاعات المدمرة. الحقيقة هي أنّ فصول التاريخ الحزينة تُنتج نفسها مجدّداً لأن معظم الناس يفشلون في فهم دروس الزمن والتعلّم منها! ساعد شعبك على أن يتعلّم من تاريخه حتى لا يكرره.

المسؤلية:

- ساعد مواطنيك بأن تُفهمهم أنّ إنقاذ بلدهم لم يكن ولن يكون يوماّ حملك أنت وحدك أو مسؤولية يحملها اي شخص واحد على عاتقه منفرداً، بل هو أساساً مسؤوليتهم "هم" وهو مسؤولية مشتركة تجمعهم جميعاً. قل لهم أن يقلعوا عن تراشق اللوم وأن يتوقّفوا عن تحميل بعضهم البعض ذنب ما وصلوا إليه، لأنّ قوانين الحياة تقضي بأنهم يحصدون ما زرعوا. وحاول أن تُشركهم فعلاً وقولاً في تضميد الجراح التي أنزلوها بحق بعضهم البعض. تذكّر أنك اليوم السلطة العليا في لبنان، وأنّ الشعب اللبناني المضطرب والتعب قد علّق عليك آمالاً عريضةً، بصفتك "المنقذ" الذي لا بدّ من أن يُحقّق الحلم في حياة لبنانية آمنة ومزدهرة، بينما سيُكملون "هم" مسيرتهم متمسكين بأنماط تصرفاتهم التي لا تخلو من العيوب والاختلال.

لن يتوانوا، فخامة الرئيس، عن استعمال كلّ ما هو ممكن من خداع وإغراءات وحجج واهية وابتزاز سياسي لدفعك وحدك نحو تحقيق هذه الأهداف، إن لم أقل نحو هذه الفخ. قد يكون في تصرّفهم هذا طبيعة اجتماعية انسانية لا يمكن التهرّب منها، ولكنّه ليس إلا وسيلة تستخدمها المجتمعات عادةً لتخفّف من أعبائها وتنأى بنفسها عن تحمل مسؤولية تصرّفاتها التي أوصلتها إلى ما تجابهه من مشكلات، عدّد ولا حرج... فأنت "الرئيس القائد العماد البطل المخلّص" المرتجّى أن يُنقذ لبنان، وهم يتفرجون وكأنّ ما وصل إليه وطنهم لا ناقة لهم فيه ولا جمل!!!

سيحاولون جميعهم، فخامة الرئيس، أن يتنصّلوا من قبول أي التزامٍ فيه تعديل لقيمهم، أو أن يتبنّوا أي ذهنية جديدة تسعى إلى حل جذري لمشاكلهم المتراكمة والمتزايدة يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة.

القيادة، في مثل هذه الحال، فخامة الرئيس، وأنت المطلّع والمدرك، تتطلب التذكير الدائم لشعب هذا البلد وناسه بأنّ خلاصه في أيديه هو، وأن أي تقدّم أو تطوّر منشود يحتّم على كل مواطن، وعلى كلّ مجموعة دينية كانت أم مدنية تُعنى بالشأن العام، أم اقتصادية أم سياسية، أن تؤدّي دوراً رائداً وناشطاً في خلق الصالح العام. وأراني أجد خلال قراءتي في الصحافة اللبنانية أنّ الناس بدؤوا فعلاً يطلبون منك المعجزات لأنك مرجاتهم الأخيرة، معجزات تطهير وتنظيف عقود من الفوضى اللتي خلقوها؛ أقترح عليك فخامة الرئيس أن تبادر كل منهم بالسؤال المباشر الآتي: ما الذي تنوي أنت أن تعدني بأن تقوم به شخصياً، في أي موقع كنت، لمساعدتي على تحقيق هذا الذي تريده للوطن؟! او ان تذكرهم بجملة جون كندي الشهيرة، وللمفارقة، المأخوذة اصلاً عن اللبناني جبران خليل جبران: لا تسأل وطنك عن ما يمكنه ان يعطيك، اسأل نفسك عن ما يمكن ان تعطيه لوطنك!.

- تفاد أخطاء من سبقك من رؤساء الجمهورية اللبنانية الذين اعتقدوا أنّهم، بامتلاكهم بعض الصلاحيات والسلطة، سيقدرون على تغيير الطبيعة السياسية في لبنان، أثناء تولّيهم الرئاسة. والواقع، فخامة الرئيس، أنّ لبنان هو دولة أُنشئت لتحقيق أهداف طائفية مذهبية، من خلال المحافظة على وجود وحريّة بعض الأقليات الدينية في واحدة من أكثر مناطق العالم تديّناً وتعصّبًا للأديان والمذاهب.

إنّ عدم التوصل إلى فهم هذه الحقيقة، والحقيقة الأخرى التي تقول إنّ موقعك الرئاسي في الأصل هو جزء أساسي من عملية دقيقة جداً ومتوازنة حسابياً في توزيع السلطة بين مختلف هذه المذاهب سيعطّل دورك ويُضيف من المشاكل الجديدة ما لا يجب أن يحتمله المواطن في لبنان.

- تذكّر دائما،ً فخامة الرئيس، أنّه ورغم قسمك على صون الدستور وحمايته والتأكّد من تطبيقه كاملاً، فإنّ حماية القوانين غير المكتوبة، والأعراف والعادات والتقاليد والموروثات لا تقلّ أهميةً في حمايتها لتأمين استقرار المجتمعات عامة، والمجتمع اللبناني خاصةً.

الثبات:

- لقد استلب الدستور اللبناني الجديد من موقع الرئاسة الأولى كثيراً من قوتها التنفيذية. كما إنّ واقع السلطة في لبنان متآكل ومحكوم وخاضع بشكل كبير لقوة السلطات والتيارات المذهبية على اختلافها، ولكن ما زال من الممكن ممارسة قدر كبير من القيادة مع قليل من السلطة المتاحة أو حتى مع عدمها. على الرغم من ذلك، فهناك الكثير من أشكال السلطة التي يمكنك أن تعتمدها بوصفها أدوات قيادية. وأوج السلطة الأكيدة التي تملكها الآن، أنّ عهدك ينطلق بتأييد محلي وإقليمي ودولي واسع. دافع عن هذا الرأسمال السياسي جيداً، وثابر على تنميته وإغنائه لأنه سوف يزيد في سلطتك الرسمية ويوسّع نطاق تحرّكك وفعاليتك. والأهم من ذلك كلّه، أن تستعمل حسن سمعتك الشخصية وأن تعطيَ لنفسك قوة إضافية في أن تكون سلطةً ورمزاً أخلاقياً ومدنياً ووطنياً يمثّل القيم والمبادئ والأخلاقيات التي يطمح إليها كل لبناني (يمكن ان نناقش هذه الناحية بتفصيل اكبر واعمق في المستقبل).

- ميّز بين المشاكل التقنية وحلولها الفنية من ناحية، وبين المشاكل الجوهرية وحلولها الجذرية من ناحية أخرى. من الشائع جداً أنّ معظم المشاكل التي نواجهها تخضع لفهم وتحليل غير صائبين أو دقيقين، وغالباً ما نسعى إلى اعتماد حلول فنية لمشاكل جوهرية تتطلّب تغييراً وتعديلاً عميقاً في القيم العامة، ومبادئ التصرف العام وأساليبه، والذهنيات المختلفة والانتماءات والولاآت على اختلافها. إنّ مأزق لبنان كان ولا يزال على حاله منذ نشأة هذا الوطن لأنّ معظم الاتفاقات والمعاهدات الداخلية التي أُبرمت، وضمناً الوثيقة الأخيرة في الدوحة، كانت معالجات تقنية قصيرة المدى فشلت في التطرّق إلى معالجة جوهر إشكالية النظام في لبنان.

- أعد صياغة دور الرئاسة في لبنان انطلاقاً من التجارب الباهظة الكلفة التي مرّت خلال السنوات الماضية على البلاد، الشرق الأوسط والعالم.

- أعد الحياة إلى هيبة وصورة المنصب الرئاسي وسمعته التي تضررت كثيراً منذ الطائف. ومهما كان التواضع فضيلة شخصية، فإنّ الاستقرار يقتضي أن يشعر المجتمع بأنّه وُلد له، من جديد، "قصر رئاسي" حقيقي يمثّل العزّة والجلال والوقار ويكون موضع الافتخار. كلما زادت هيبة السلطة كبرت قوتها وقلّت الحاجة الى استخدامهاً.

- إحم نفسك من الأخطار النفسية التي قد تُصيبك وأنت رمز السلطة. التاريخ حافل بنماذج من الصالحين الذين وقعوا في فخ السلطة فأفسدت حكمهم الصائب وإحساسهم بالواقع. كن جدياً في مهمّتك، لا في اعتبارك للأنا التي فيك. سيكون لك، من الآن، عدد هائل من "الأصدقاء" وستتلقى كماً كبيراً من "المجاملات" التي لا يحتملها التواضع. تذكر أنّ معظم المجاملات هي وسيلة كغيرها من تأشيرات النفوذ إلى مصادر القوة التي تتحكم فيها وظيفتك الجديدة. إن ما يراه الناس هو دورك لا أنت. والأمر نفسه ينطبق على الأعداء والانتقادات. صُن نفسك بأن تتذكّر أنّ كل هذه الدينميات الإيجابية والسلبية التي ستتعرّض لها ذات صلة مباشرة بدورك ووظيفتك الجديدة كرئيس للجمهورية لا بشخص ميشال سليمان. لا تاخذ المدح والذم على محمل شخصي.

- أحط نفسك بأناس ذوي مستوى رفيع جدا من التفكير والإدراك والقيم الجيدة والمبادئ الأخلاقية والمهنية الحميدة والبعيدين عن المطامع والطموحات السياسية والمالية. اعمل ما يلهمك إياه عقلك، ويملي عليك قلبك وضميرك أنّه الصواب. لا تقم بأي عمل لا يمكنك ان تخبره لأولادك بإعتزاز على مائدة العشاء.

- اعتن بنفسك جيداً.

تفضل بقبول بالغ الأحترام،

مايكل كولي

Michael Kouly

Tuesday, May 13, 2008

غيروا لبنان قليلاً حتى لا يتغير كثيرًا

غيروا لبنان قليلاً حتى لا يتغير كثيرًا

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

هل اللبنانيون حمقى؟ يطرح معي هذا السؤال من راقب الوضع اللبناني وقارب ان يموت همّاً خلال العقود الثلاثة الماضية التي شهدت إندلاع وتفاقم واستمرار الحروب والأزمات في لبنان ليجد أنه يُشبه حال بَنَّاء يُجِدّ في إنشاء بيت، وقبل ان يكتمل البناء ينهار ما بناه عند مراحل معيّنة. ثم يُعيد الكرة مرات، وفي كل مرة ينهدم ما يبنيه عند المراحل عينها، دون أن يدفعه ذلك إلى البحث الجدي عن حقيقة سبب هذه "المصادفة" أو إلى العمل الحثيث على تجنبها. ويذكرنا هذا بتعريف آينشتاين للحماقة "إنها تكرار الفعل عينه مع توقّع نتائج مختلفة!".

وحتى يصار إلى تجنب هذه الصورة النصف-كاريكتورية لا بد من ملاحظة أن مشروع لبنان لا يزال يتعثر منذ عقود عند النقاط الجوهرية والتأسيسية ذاتها، وكأن الساعين لتحقيقه يدورون في حلقة مفرغة. كما لا بد من التعمق في البحث عن أسباب هذا التعثر بواقعية وشجاعة وخاصة مع تكرار العودة إلى الأقتتال الداخلي. فمع كل جولة دمار جديدة يظهر أن لبنان قد تأخر كثيراًََ بالأعتراف العلني والجماعي بأن منظومته قد فشلت بشكل ذريع جداً منذ نشأتها في توفير حياة كريمة لأبنائها وإنها مختلّة وظيفيّاdysfunctional وإن إيجاد منظومة جديدة فاعلة وظيفيّا functional سيجنّب الكثير من الألم والفرص الضائعة على البلاد والعباد. لقد جرّب لبنان لعقود، ولا يزال، مبدأ الإندماج القسري والمتسرّع لمجموعاته الغير متجانسة التي ما لبثت ان تنافرت وتناحرت في حين ان القوانين الطبيعية للعلاقات البشرية، وخاصة بين المجموعات المتنازعة، تحبذ الأتحاد الطوعي والتدرجي والمدروس لإنتاج لُحمة متينة وفاعلة ومنيعة. وعليه فقد أعاقت التجربة اللبنانية أسباب جوهرية سبقت النشأة والاستقلال وأسباب تلتها ورافقتها حتى الآن. أما بعض الأسباب الأساسية التي سبقت نشأة الجمهورية اللبنانية فمنها:

1. ارث الصراعات التاريخية: عرفت المجموعات اللبنانية غير المتجانسة قروناًًً من الصراعات العنيفة بين بعضها البعض، ما أنتج ثقافة راسخة، ما زالت مستمرة، من انعدام الثقة والنظر إلى الآخر بعين الارتياب، مما عوّق اتفاق اللبنانيين لاحقاًََ.

2. قصر الفترة الانتقالية (Transition): لقد كانت المرحلة التي انتقلت فيها المجموعات اللبنانية من التابعية العثمانية إلى مشروع انصهار وطني قصيرة جدًا، مقارنة بالوقت الطبيعي الذي تحتاجه هذه المجموعات المتنافرة للتجاوز الحقيقي لحال انعدام الثقة بينها، والاتفاق على مشروع وطن واحد وفكرته الاندماجية. وبالأخص الأجزاء التي كانت خارج المتصرفية، والتي شكلت جزءًا كبيرًا من دولة لبنان. فبعد أن كانت هذه الأجزاء تتبع ولايات مختلفة ضمن دولة عثمانية كبيرة، وجد أهلها أنفسهم، وبشكل سريع ومفاجئ تقريباًً، ينتقلون من انتمائهم إلى مجموعة إقليمية واسعة مسلمة ظلوا جزءًا منها ما يزيد عن ألف عام، لينتموا إلى مجموعة صغيرة "لبنانية"لم يكتمل نظامها، وتحكمها أقلية أقليمية مسيحية، مما تسبب بتشوش واضطراب في النسيج اللبناني. في حين أن التجارب الأندماجية التي نجحت في العالم تطلبت أجيالاً لتكتمل وتستقر.

3. تنازع المرجعيات على السلطة: طُلب من المجموعات اللبنانية التخلي عن مرجعياتها الإقليمية عثمانيةً وأوروبيةً لصالح سلطة الدولة الحديثة التي لم تثبت جدارتها بعد ولم تكن كذلك محل إجماع أو توافق عميق ولا تأسست الثقة بها بعد. هذا الاستبدال الجذري والسريع في التبعية للسلطة، والذي يشبه تخلي الأطفال عن الأهل لصالح أهل جدد، ولّد حرجًا عظيمًا كما جعل الاحتكاك بين الزعامات الداخلية أكثر حدة بسبب التنافس على النفوذ الجديد في منظومة السلطة المستحدثة. بكلام آخر لقد تطلب الكيان الجديد نقل الولاء بشكل سريع إلى مرجعية داخلية، هي الدولة اللبنانية التي لم تترسخ الثقة فيها بعد، كما تطلب أيضًا تعاون الأعداء التاريخيين لتكوين سلطة مرجعية وطنية موّحدة لسائر المجموعات اللبنانية. وهذا مطلب بالغ الطموح حتى في المجتمعات المتجانسة فما بالك في المجتمعات المتنافرة تاريخيا.

4. معاكسة الطبيعة السياسية: شكلت التجربة اللبنانية عند تأسيسها تحديًا للطبيعة السياسية في المنطقة في كون رأس السلطة مسيحي. فمع الوجاهة الواضحة لأسباب توافق اللبنانيين على أن يكون الرئيس مسيحيًّا في كيان شكل المسيحيين فيه الأكثرية عند نشأته، إلا أن هذا المنحى أتى معاكسًا لمسار "الطبيعة" في المحيط المسلم، الأمر الذي زاد حالة التوتر الداخلي والتدخل الخارجي. لا سيما وأن الشرق الطائفي والمذهبي بامتياز لم يتقبل بسهولة أن يكون للأقلية المسيحية بلد متنوّع يتولون فيه الموقع الأول في الرئاسة، بينما تتولى الطائفة التي تشكل الأكثرية في الشرق المرتبة الثانية والثالثة في هذا البلد.

وأما الأسباب التي رافقت التجربة منذ الاستقلال حتى الآن فمنها:

1. إهمال تقدير ومعالجة الأسباب السابقة: شكلت الأسباب السابقة الذكر نقاط ضغط هائلة على التجربة اللبنانية. وبدلاً من العمل القيادي على احتوائها والسعي الدؤوب للحد من انعكاساتها ونتائجها، جرى إهمالها او عولجت بشكل سطحي وتقني، وتُرك ما في نفوس اللبنانيين ليتفاعل ويزداد، فكان لكل مجموعة هواجسها وتطلعاتها التي لا تتفق مع سائر المجموعات، بل إنها قد تتناقض في كثير من الأحيان معها، ما زاد التباعد بين المجموعات اللبنانية، فتقاذفت هذه المجموعات التهم ودرجت مصطلحات مثل: المارونية السياسية، الغَبن، المحرومون. المسلمون يتهمون المسيحين بالسيطرة على الدولة والاستئثار بالسلطة، بينما يتهم المسيحيون المسلمين بأنهم لا يؤمنون بلبنان، وأنهم دائمو التطلع إلى وحدة قومية أو دينية او مذهبية، تُعيد المسيحيين أقلية مضطهدة من جديد في موطنهم التاريخي، والشيعة يتهمون السنة والمسيحيين بحرمانهم الحق في المشاركة المتوازنة في الحكم.

2. التيارات الفكرية: هبت على المنطقة مع انقضاء النصف الأول من القرن العشرين تيارات فكرية كانت بمثابة عواصف عاتية، أقلقت الكيان وأصحاب السلطة. من هذه التيارات ما هو ديني، ومنها ما هو عقدي، ومنها ما هو قومي. وكان لبنان أحد أضعف المناطق، وبالتالي فإن الاستقطاب الحاصل حول هذه التيارات أضعف الانتماء اللبناني والذي كان هشاً أصلاً.

3. ديموقراطية الفوضى: حصَّنت دول المنطقة نفسها من التيارات الفكرية والحركات الثورية بواسطة القوى العسكرية والدكتاتوريات والقمع، فيما كان التحدي الأكبر أمام لبنان أن يتفاعل مع كل هذه التناقضات والتيارات مع الحفاظ على ميزته الأساس والتمسّك بقيم الديموقراطية والحرية، ما زاد الأمر صعوبة وخلق فوضى سمحت بتفاقم الصراعات الداخلية من دون وجود لدولة ومؤسسات قوية ضابطة للصراعات.

4. الصدامات الدموية: وصلت الصراعات بين المجموعات اللبنانية إلى حدٍّ لم تعرفه قبلاً في تاريخها المشترك. وكانت الحرب الأهلية الطويلة الأخيرة والمستمرة وذات الصبغة الطائفية والمذهبية أقسى وأمرّ بكثير من الأرث المؤلم ما قبل الاستقلال، ما زاد الهوّة بين اللبنانيين وقطّع سبل التواصل. والمؤسف ان اشتداد التوتر بين المجموعات اللبنانية غالباًََ ما يأخذ منحى دموياً، كما حصل مؤخراً، مما يعمّق الجراح التاريخية ويضعف امكانات التلاحم.

5. العوامل الخارجية: مع تفلّت الأمور تُرجمت الضغوط الخارجية على المنظومة اللبنانية ذات الطبيعة "الغريبة" عن المحيط إلى تدخلات مباشرة، من خلال وجود فعلي لجيوش هذه الدول، أو مسلحيها ومحازبيها. وانضاف هذا إلى التدخلات السياسية والاقتصادية، ما جعل الأمور في أحيان كثيرة خارجة عن يد اللبنانيين. وتعززت الولاءات الخارجية التي تحوّلت مع الوقت إلى ارتباطات عضوية عميقة بحيث أمست مشكلة الولاءات للخارج التي يعاني منها لبنان الآن أعقد من تلك التي عرفها قبل وإبّان الاستقلال. هذا بالأضافة طبعاً الى الإرتدادات المستمرة لتشكيل دولة اسرائيل منذ ستون عاما.

ولكن كيف تعامل اللبنانيون المعاصرون مع هذا الواقع؟

أن أبرز المعالجات الحديثة التي قام بها اللبنانيون للخروج من الواقع المعقد تمثلت في اتفاق الطائف الذي شكل محاولة سطحية ومرحلية لإنهاء الصراع العسكري في بداية التسعينات، وإعادة توزيع السلطة بطريقة تحظى بدعم شعبي مقبول، وتقديم فرصة في الاستمرار والنجاح من خلال إقناع الأطراف المتنازعة بالتوافق على صيغة دستور معدّلة، ليتجاوزوا نظريات الاستئثار والحرمان والغَبن والهواجس.

إلا أن هذه المحاولة بقيت تقنية وتجاهلت العديد من العوامل المذكورة اعلاه وبالتالي وئدت في مهدها مع اغتيال رئيس الطائف وانصياع فريق كبير من السياسيين، خوفًا وطمعًا، لتدخلات القوى الخارجية التي ساهمت في تعزيز الهواجس والاتهامات وإبقائها حاضرة في أذهان اللبنانيين وفي قاموسهم السياسي اليومي.

بعد عرض هذه الأسباب التي أفشلت الجهود، يبدو أن المحاولة اليوم باتت أصعب مع عودة الأقتتال وازدياد التجاذب الداخلي والخارجي في المشكلة اللبنانية وبعد ثبات واقع أن جميع الحلول ما لم تمرّ بالتوافق الوطني والأقليمي والدولي المتلازم، وهذا نادر وهش، سوف تُفشّل وتُوضع أمامها العراقيل. ولكن الذي يجب أن يكون معلومًا أن الصيغة الحالية (والعيش المشترك!) المشبّعة بدماء اللبنانيين والتي لما تزل تُجرّب في الحلول المتداولة، على اساس انها افضل الممكن واقل البدائل مرارةً، قد ثبت اساسا قصر مداها وفشلها الصارخ في توفير حياة صالحة للبنانيين، وأمام المثل العامي اللبناني "من جرّب المجرّب فعقله مخرَّب"، فالحكمة تقضي أن يتم البحث عن صيغ بديلة جوهرية تكون غير تجميلية او مرحلية او ترقيعية لتحافظ قدر الإمكان على لبنان وعلى ما تبقى من قيمه "ورسالته"، وتكون قادرة في الوقت عينه على الاستمرار وعلى تجنيب الأجيال القادمة مصائب تكرار حروب اجدادهم والسعي لحل معضلات فشل آبائهم في مواجهتها (وهذا هو الأهم). ولعل هذه الصيغ تمر عبر عدة أمور أساسية منها:

· التدرج في عملية دمج الأطياف اللبنانية وانصهارها، لأن أي صيغة لا تراعي مبدأ التدرج الطبيعي، والذي هو الأمر الأساسي في نشأة العلاقات وديمومتها، محكومة بالفشل. فالوقت عامل حتمي في نضوج العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. وإذا كان المتاحبان يحتاجان لفترة خطوبة تكسر ما بينهما من حواجز لينتقلا إلى بيت واحد، فإن توحيد المجتمع اللبناني في وطن واحد رغم التاريخ والحاضر الحافل بالخصومات والنزاعات الدموية يحتاج بالضرورة إلى فسحة زمنية يعاد فيها بناء الثقة وترسيخ مقوماتها إذا أمكن. وتراكم إرث الارتياب وانعدام الثقة المتنامي يجعل من أي إلحاح على الانصهار القسري والسريع بالشكل الحالي عاملاً للانفجار وسببًا لردات فعل غير محسوبة كالتي يشهدها لبنان الآن. كما أن العامل الجوهري لبناء الثقة يتطلب منح الوقت الكافي لتشكيل نمطية جديدة من التعامل المطمئن بين الأطراف. وأمامنا شاهد واضح على رفض الاندماج السريع، فقد أوقفت الشعوب الأوروبية الوتيرة "المتسارعة" نحو أوروبا الموحدة حين صوّتت بعض دولها أخيرًا ضد الدستور المشترك للقارّة. ولا يغيب من الذاكرة والذكر الحلم العربي بالوحدة الذي لم يولد إلا سقطًا.

· اعتماد شكل يُتوافق عليه من أشكال اللامركزية الموسعة جدًا، مع الابتعاد الواعي عن فكرتي التقسيم والفدرالية اللتين يعتقد الكثيرون أنهما تشكلان خطرًا على لبنان "الرسالة"، يكون المقصود من اللامركزية الموسعة أن تعطي حرية ادارية داخلية أكبر للمجموعات اللبنانية، وتساعد مع الوقت على التدرج في بناء الثقة مع الآخر وبالتالي على الانصهار الطبيعي في مفهوم الوطن ومشروعه.

· ابتكار آلية مطاطة قادرة على التطور الطبيعي تخفف من حدة الصراع على السلطة وذلك بتوسيع دائرة المشاركة فيها ولكن بشكل لا يثير مخاوف الأستئثار ولا يعيق إنتاج القرار، وإيجاد حلول تُُريح الناس في عملية التمثيل.

· خلق بيئة حافظة وضابطة، تحفظ لبنان من التدخلات الخارجية المضرة من خلال مؤسسات سلطة متينة، يصونها جيش وطني قوي ومُعتمَد وفاعل، تضبط أمور الداخل بتحقيق متطلبات المواطن من الوطن كحفظ النظام والأمن وتأمين العدالة والنمو، وبذلك يتعزز حسّ الانتماء واحترام الدولة عند المواطن اللبناني. ومع الوقت فإن هذه البيئة، إذا كتب لها النجاح، سوف تُنشِّئ أجيالاً تؤمن بلبنان وتحقق فكرته في التكامل الوطني. وقد يكون انتخاب رئيس جديد في هذه المرحلة، فرصة سانحة للسعي لخلق هذه البيئة.

قد يقال عن حق ان هذا الطرح سهل نظرياًً وإن التحدي هو التطبيق. لكن الحل ممكن اذا توفر العمل القيادي عند امراء المذاهب وعند النخب واذا كانت لدى المجموعات في لبنان القناعة الحقيقية بالقيم التي يعلن بلدهم تمثيلها والرغبة الصادقة في العيش سويا بتوافق وبعيدا عن التسلّط. أما البديل عن إيجاد الصيغة الجريئة والخلاقة للحل، فها ان الأحداث تدل إن مصير لبنان ومجتمعاته لن يكون مختلفًا كثيرًا عن مصير الكيانات ذات البنية الهيكلية المختلّة والتي عانت من الحروب الأهلية المتكررة والانقسامات الداخلية، فالدراسات تُظهر أن هذه الصراعات لم تنته في الغالب إلا بوصاية خارجية أو بشكل من اشكال التقسيم.

يبقى ان نلاحظ مما لا شك فيه وهو أن طرح موضوع التوافق على صيغة جديدة تحافظ على القيم الجوهرية للبنان في ظل التجاذبات الحاصلة وضمن ظروف المنطقة المتغيرة والتداخلات الدولية، تجعل من هذا الطرح مادة للابتزاز، كما تدخل لبنان الضعيف في سوق المساومات الأقليمية والدولية التي لا يمكن التكهن بنتائجها.

لذا فإن النجاح في إيجاد طروحات جذرية لحل المعضلة في لبنان، يتطلب عمل قيادياً وطنياًً وحكمة وهدوءًا وتحضيرًا وإنضاجاً (غير متوفر حاليا) لمناخ يبدأ باجماع على تحصين أكبر للبنان ضد التدخلات الخارجية ويمر بالالتزام العملي بتنفيذ الاتفاقات السابقة، كاتفاق الطائف المجمع عليه ولو شكلياً ومؤقتاً، لتكون الخطوات التقنية الأولى نحو بناء الثقة والإصلاح الجوهري في لبنان.

ان الأفضل للبنان هو أن يُنقذ مصيره بيده تحت مبدأ "تغيروا قليلاً حتى لا تتغيروا كثيرًا" بإيجاد صيغة متطورة ومبدعة تتدرج فيها المجموعات نحو التعاون والتلاحم. وإلا فالواضح أن مضمون لبنان "الرسالة" التي ستصل للعالم سيكون: ان الحياة الكريمة والمتكاملة مع "الآخر" في هذا الشرق حلم مستحيل.

May 13, 2008

Michael Kouly

الحياد خيار وهمي

الحياد خيار وهمي

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

"من ليس معي فهو علي". كثر الحديث مؤخرا عن أهمية انتهاج الحياد كسياسة استراتيجية لحماية لبنان، أو غيره من دول المنطقة، من العواصف التي تهب على الشرق الأوسط، ما يذكرني بقصة الرجل المسكين الذي كان يسكن في قرية، وكان في هذه القرية عائلتان كبيرتان بينهما عداوة ونزاعات، ولقد رأى هذا الرجل أن يُنحي نفسه عن مشاكل العائلتين، فما كان منه إلا أن نأى عنهما والتزم حال نفسه، الأمر الذي لم يعجب كلا العائلتين. وبعد فترة من احتدام الصراع صار أفراد العائلتين يتعرضون له ويضايقونه، كما قاطعوا تجارته ورفضوا مصاهرته دون أن يجد من يدفع عنه أذاهم، ولم يكن العود إلى كبار العائلتين لشرح موقفه والطلب منهم أن يكفوا عنه أذى عموم الأفراد يحقق له راحة وأمنًا، إلا لفترات وجيزة. إلى أن ضاق ذرعًا بالأمر والتجأ إلى أحد الحكماء خارج القرية يستشيره، وأخبره هذا الحكيم أن الصبر أوالرحيل لا يجديانه نفعًا، وأشار عليه أن يدخل في حلف مع إحدى العائلتين، بما أنه ضعيف، وبهذا يحمي نفسه منها، وتحميه هي من العائلة الأخرى.

هذه القصة المبهمة الأسماء تكررت في التاريخ الإنساني، وقد عرف العرب في الجاهلية وبعدها نظام الأحلاف الذي غالبًا ما تلجأ إليه العائلات الصغيرة لتحمي نفسها من أذى الكبار. ذلك أن الحياد في بيئة منقسمة ومتنازعة يعود بمصاعب جمة على من يحاوله. فالحياد، كمبدأ، مخالف أساسا لقانون الطبيعة، لأن الإنسان جزء من المنظومة التي يعيش فيها، ووجوده في المنظومة مبني على علاقات نفعية متبادلة مع سائر أفراد المنظومة وهي تستفيد منه وقد تعتمد عليه، ولن يمكنه في غفلة من الزمن أن يتنكر لذلك ويعيد صياغة العلاقات من تلقاء نفسه دون الأخذ بالاعتبار موقف باقي الشركاء في ذلك. هذا الكلام ينطبق على أصغر الموجودات وأبسطها تمامًا كما ينطبق على أكبرها وأعقدها؛ فالجسم كل متكامل العضو فيه لا يستطيع أن يقرر متابعة عمله أو تحويره أو اعتكافه بعزلة عن عمل سائر الأعضاء وعن المستجدات التي تحصل في داخل الجسم وفي محيطه، وكذلك الإنسان في مجتمعه لا يستطيع أن يتابع تعايشه مع سائر أفراد المجتمع بشكل طبيعي دون أن يتأثر بالانقسامات والتفاعلات الحاصلة، وكذلك المجموعات كالأحزاب والدول لا تستطيع أن تستمر على ما هي عليه من طبيعة العلاقات مع سائر أفراد منظومة المحيط والمجتمع الدولي دون أن تتأثر بخلافات هؤلاء الأفراد، لأن سائر الأفراد سيعيدون تقييم العلاقة على قاعدة أن هذا الفرد المركب ( الفرد أو المجموعة أو الحزب أو الدولة) لم يناصرهم في هذا الصراع، لا سيما إذا كان الصراع وجوديًّا، أو عندما يتعرض أحد الأطراف إلى اعتداء ويصبح ضحية، أو يصنف نفسه كذلك، لأن ترك مناصرته آنذاك يؤدي إلى فقدان الثقة بأخلاقيات المحايد ووقوفه مع مبادئه وقيمه، ما يحعل النظر إليه على أنه خائن أو متواطئ مع الظالم، على ما جاء في المثل: الساكت عن الحق شيطان أخرس.

وفي حال استطاع فريق أن ينهج سياسة الحياد ويتبنى جهة الوسط، فإن هذه المحاولة ستكون مؤقتة ولن تقوى على الاستمرار، لأن الحياد موقف حاد، وهو في كونه موقفًا، تمامًا كالانحياز، إلا أنه أصعب، لأن إمساك العصا من الوسط يحتم البحث عن نقطة الارتكاز، بينما إمساك الطرف يسمح بإمساك العصا من سائر مساحاتها باستثناء نقطة الوسط.

كما أنه كلما زاد الصراع حدة ستزداد الضغوط على الحيادي لا سيما في الصراعات المصيرية وعند الاحتياج إلى دعمه، كما سيشكك سائر الأفراد بحياده، مما يجعله خصمًا للجميع. وبعد محاولته أن يتجنب معادة طرف من الأطراف يصير عدوًّا للأطراف كافة. حتى الأديان التي عُرفت بالتسامح نظرت إلى هذا الخيار بحدة؛ فقد جاء في الإنجيل: "من ليس معي فهو علي"، كما جاء في القرآن: "ومن يشاقق الله ورسوله ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا". وليس غريبًا تبني الإدارة الأمركية هذه الفلسفة علانية، بعد أحداث 11 من أيلول، حين صرّح الرئيس الأمركي: من ليس معنا فهو ضدنا.

فالحياد بالرغم من أنه قرارقد يتخذه الإنسان بمفرده، إلا أنه لا يعتبر حيادًا إلا بعد موافقة أصحاب النزاع عليه لأنه قد يخدم مصالحهم (مثال الحياد السويسري الذي وافق عليه العالم كونه خدم حاجة دولية)، ولذلك فإن هذا الخيار يحتاج لجهد متواصل ومكلف ومرهق أن كان من حيث إنتاجه أو صيانته، كما يتطلب حركة دؤوبة من الاتصالات لتوضيح المواقف ولإدارة العلاقات، وهات أن ينجح ذلك كله في تجنب عداوة أطراف النزاع. وفوق ذلك فإن الموقف الحيادي قد يبقى مفتقرًا إلى قوة ذاتية كبيرة تفرض على الأطراف المتنازعة الوقوف عند حدٍّ في التصعيد من الضغوط الاستقطابية التي تمارسها. وقد احتاجت الأطراف الحيادية عبر التاريخ إلى بناء تحالفات تؤمن لها قوة ردع لضغوطات الأقطاب المتصارعة التي قد تصل إلى إعلان حرب ومباشرتها على من يحاول الحياد.

على ضوء ما تقدم فإن لبنان، وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي تطارد المنطقة وتزداد حدة، لن يمكنه أن يكون حياديًّا، إلا بموافقة جميع اطراف النزاع في الخارج، وهذا مستبعد كون لبنان الضعيف اداة فاعلة في صراعات محيطه، ولأنه بمثل هذا القرار سوف يعادي الجميع، وبالتالي سوف يخسر الدعم والحماية الذين يحتاجهما لمواجهة عواصف المرحلة وتحدياتها، والمفارقة أن الذين يمكن أن يحموه هم أنفسهم يتجاذبونه، كما أن مكوّنات المجتمع اللبناني السياسي لن يمكنهم الإخلال بسلسلة التزاماتهم مع أطراف النزاع الخارجي الذين أسلفوهم الدعم الكبير بشتى الطرق ليكون لهم ردفًا وسندًا عند الحاجة إليهم، وصعب على لبنان كدولة أن يستطيع الوصول إلى موقف داخلي موحد لأن تحالفات المجموعات اللبنانية مختلفة ومتأصلة ومتناقضة، والانحياز إلى طرف دون طرف سوف تكون له مضاعفات سلبية على الصعيد الداخلي، ترسيخًا للشرخ، وتعميقًا لحال انعدام الثقة والاطمئنان، ما يلوح بأزمات قد تظهر مواجهات وحروبًا.

غاية ما في الأمر أن الحديث عن الحياد، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، في جوهره حديث عن شكل معقد وصعب من أشكال العلاقة مع المحيط، وهي، أي العلاقة، متراوحة بين العداء والتحالف، مع ما تشمله هذه الصور من مراتب متدرجة. وكترتيب تقني، فقد أمنت الدساتير في البلدان الديمقراطية مكانكية لصياغة العلاقات مع المحيط، فبنت سياساتها الخارجية على المسلمات الوطنية الجامعة (المفقودة في لبنان)، واشترطت دعم الغالبية في الخيارات الكبرى، وكفلت للأفراد والمجموعات حق التعبير وحرية الآراء السياسية، على أن تكون هذه الحرية ضمن القوانين، وغير ملزمة لعموم المجتمع.

أن سيناريو لا شرق ولا غرب قد جرب مرارًا من دون جدوى وأثبت أنه ليس حلاًّ طبيعيًّا وهو أصلاً معاكس لمنطق الحياة والبقاء والاستمرار الذي يتطلب التفاعل وليس الانعزال. إن الحياد في الحياة حل تقني، مصطنع، صعب، معقد، مرهق، قصير المدى، مؤقت، لا ينتج استراتيجية متقدمة ولا يمكن اعتماده ولا الاعتماد عليه خاصة من قبل الضعفاء وفي بيئة متوترة ومتحركة. انه مقاربة تكتيكية وربما هروب من تحدي مواجهة الواقع والارتقاء إلى مستوى معالجته بكل ما يتطلب ذلك من تطوير في القناعات والقيم والقدرات والتواصل والتفاهم والتعاون والتسامح والتكامل مع الآخر. بل إنه إقرار بنضوب الخيارات الأخرى والقدرة على الخيال والإبداع. والمقلق أن يكون السعي للحياد تغليفاً أنيقاًَََ لقناعة خطيرة تخدع الذات فتحمّل الآخرين في الخارج مسولية تحديات الداخل وتتجنب مراجعة النفس بقصد تطويرها وتنقيتها من عيوبها الباطنة. إن الخيارالجوهري (للأفراد والمجتمعات والأوطان) يكون في لعب دور ريادي كامل ضمن المحيط بعد تمتين المناعة الفردية والوطنية وتعزيز ولاءات مكونات المجتمع تجاه بعضهم البعض وتجاه الكيان وهذا بالطبع يحتاج الى استبدال القيم الضارة بقيم جديدة مفيدة مما يتطلب حتما "عمل قيادي" فذ ندر في بلد كثرت فيه "القيادات".

Michael Kouly


نيسان 2008

Wednesday, January 23, 2008

العماد سليمان ليس "المنقذ"

العماد سليمان ليس "المنقذ"

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

فخ جديد يُنصَب وخيبة اخرى تتهيئ. فمع تطلع اللبنانيين إلى مخرج من أزماتهم السياسية، برز هذه المرة إجماع حول قائد الجيش اللبناني ليكون الرئيس العتيد "المنقذ". واستطاعت بذور هذا الإجماع أن تحصد التأييد العربي والدولي لخيار التوافق على الرئيس الذي سرعان ما هتفت له الجماهير مستبشرة وناثرة رايات الترحيب به مخلّصاًَََ. فاللبنانيون سئموا حال الأحتضار التدريجي، وتعبوا من تحمل أكلاف الاختلاف على السلطة الباهظة والذي دمّر مختلف جوانب حياتهم. كثير من الناس لم يعودوا قادرين على الصبر كما اعتادوا، ويعاودهم الآن شعور افتقدوه هو شعور الانتماء إلى وطن حقيقي. أن لهم كامل الحق في الحياة وفي الحُلُم. حقهم أن يحلموا وأن يتحقق حلمهم، فمطلبهم ليس تعجيزيًّا بل هو بالغ التواضع؛ جلّ ما يصبون إليه هو أن يُنقَذَ بلدهم من الوقوع في هاوية الحرب والدمار مرة اخرى، وأن تعود حياتهم إلى طبيعتها، ليتمكنوا من العيش الهنيئ في بلدهم مع أولادهم. أكثير على اللبنانيين هذا الأمل؟!. أمل يُغتال كل يوم لكنه يعود إلى الحياة فيُغتال مجددا. فاذا اغتيل الأمل الحالي فهل سيعاود الحياة؟.

وفي رحلة الأمل المتجددة يتعلقون بعناوين، وأحيانًا بشعارات، وفي هذه المرحلة العنوان هو رئيس الجمهورية. وحُقَّ لهم؛ فالرئيس، كونه ممثل السلطة ورأسها، رمز أساسي للاستقرار والأمان والحماية ووضوح الرؤية والتوجيه والوفرة، ولن يضعف هذه الرمزية حجم صلاحياته أو الجدل حولها.

ومع افتقار لبنان للمضامين التي يرمز إليها الرئيس، تشتد الحاجة إليه ويعظم التعويل عليه. فالمرحلة بالغة الحرج؛ الأفرقاء السياسيون منقسمون انقسامًا حادَّا، والحوار انقطع، ولغة التخاطب فيما بينهم خلعت أستار الهدوء وتسلحت بالألفاظ النابية والاتهامات الجريئة إلى حدّ التهور، والنبرات المرتفعة أقرب إلى الصراخ، حتى حركات الوجوه والأيدي والأصابع صارت تشبه الوعيد والتهديد، إن لم نقل الشتائم، وكل واحد تَمَترس في مواقفه وعباراته وخطاباته وشوارعه ومنطقته وطائفته وجمهوره وحلفائه بالداخل والخارج. والجو لبدته غيوم القلق التي ألجأت اللبنانيين للبحث عن "أب" يستظلون فَيئه ويتمسكون بطرف ثوبه، لا سيما المسيحيون الذين افتقدوا "أباهم" منذ زمن واشتاقوا رجوعه إليهم.

وعلى قدر الآلام تأتي الآمال، والأمل فسحة فسيحة، وواحة رحبة، لا يستطيع أحد أن يحصرها او يحظرها. ولكن ثمة أخطار تكمن في مراتع الآمال، ومن أدهاها أن يتوهم اللبنانيون أن الأمور كافة سوف تتحسن فور وصول الرئيس إلى قصره، فالاغتيالات والأنفجارات ستتوقف، والأمن سيستتب، والاقتصاد سيتعافى، وشبح التصادم سيختقي، وعملية المصالحة الوطنية ستنطلق على قدم وساق، لتمحو مظاهر الشقاق وتقتلع بذوره، ويعود اللبنانيون إلى "سابق" لحمتهم، ليتمكنوا إذاك من استدراك الفرص التي فوّتوها، ويلحقوا ركب التنمية والمشاريع التي تعود على الوطن بالخير والوفرة وتُعيد إليه أبناءه ليمنحوه ألق الحياة، بعدما أصابه قلق الموت.

ومن الإنصاف الإنباه إلى أن مثل هذا التوهم الساذج ليس حكرًا على شعب بعينه، فالدراسات التاريخية للمجتمعات تظهر أن أفكار الشعوب والمنظومات تشبه في براءتها وبساطتها تفكير الأطفال. ولكن الخطير في هذا الحلم أن يكون حجم المبالغة فيه مفرطًا بحيث يُجافي المنطق ويبتعد عن الواقعية، وأن هؤلاء الحالمين الذين استرسلوا وراء آمالهم فلم يحسنوا قراءة الحالة الراهنة ولا تشخيصها بشكل صحيح، هم في الحقيقة يُعدُّون أنفسهم لخيبة أمل جديدة، تكون في كل مرة أقسى من سابقاتها. فعلى اللبنانيين جميعًا أن يدركوا أن حجم التعقيدات في قضيتهم أكبر من أن يمكن لشخص واحد أن يحلها أو ينهض بالبلد وحده ولو كان رئيسا وعماد. والأخطر في هذا التصور ما يضمره الوعي الجماعي فيه، فالأبحاث الأكاديمية تشير الى أن هذه الآمال العراض المعلقة على شخص واحد، أو فريق ما، ليست أكثر من آلية تهرب يبتكرها المجتمع أو المنظومة لتجنب العمل work avoidance وهم يُشبِّهون المنظومة بالماء التي تبحث عن أسهل الطرق. وتسبق هذه الآلية نمط من التصرف حيث تتبرأ المنظومة أولاً من أي مسؤولية في ما آلت إليه الأمور وتبحث عن شماعة تعلق عليها الأخطاء، وتحملها كامل المسؤولية، وأكثر ما يُريح المنظومة نظرية المؤامرة او القاء اللائمة على العدو الخارجي. وفي حال لم تفِ هذه النظرية بالغرض، يبدأ البحث عن أشخاص في موقع المسؤولية، يُحمّلون الأخطاء ويُنعتون بالتقصير والخيانة والتفريط، ويكونون كبش المحرقة لترتاح المنظومة من الشعور بالذنب أو التقصير وبهذا تتجنب العمل الصعب المطلوب لمواجهة ومعالجة الحقيقة المرة للذات.

والواقع أن نظريات المؤامرة التي تلقى رواجًا في أحاديث الناس وكذلك فرضيات اتهام الزعماء والمسؤولين وشتمهم، لا تستطيع اطلاقا أن تبرئ أفراد المجتمع أو أن تعفيهم من مسؤوليتهم مما حصل سابقًا أو مما سيحصل لاحقًا، فهذه الأمور لم تكن لتحصل لو لم يسمح اللبنانيون بحصولها، أو يشاركوا فيها. فمعظم الأحداث جذورها داخلية ولو كان بعضها انعكاس لمشاكل الخارج، وهي حدثت بأيدي اللبنانيين أنفسهم، وباندفاعهم هم، والزعماء يمثلون جمهورهم بشكل دقيق، بكل هواجسه ورغباته، فكما تكونوا يولى عليكم، وهذا الجمهور يبارك، بصمته او فعله، سائر خيارات الزعماء ويدعمهم فيها، رغم تذمره السطحي والمسرحي بين الحين والآخر، وكثيرًا ما يطالبهم بخيارات أشرس وأشد. ومن الضروري الإشارة إلى أن الزعماء في بعض الأحيان يلعبون دورًا إيجابيًّا في كبح تطرف الجمهور، ويروّضون تطلعاته في أطر أضيق مما يَطلب وضمن منطق المعقولية وبعد النظر.

وهذا التحلل من المسؤولية الفردية والجماعية يُفضي في نهاية الأمر إلى أعفاء المنظومة من القيام بأي دور في تصحيح أحوالها وإنقاذ الوطن فتكتفي بالنظر إلى ما تفعله الطبقة السياسية أو انتظاره. وها هي المنظومة الآن تعد العدة لاختيار ضحية جديدة تحملها مسؤولية اصلاح تراكم عقود من أخطاء المجتمع عبر الإغراء بالمناصب والألقاب، (فخامة الرئيس، المنقذ، البطل، المخلّص، القائد...).

من هنا تأتي ضرورة على أن يرفض الرئيس العتيد لقب العماد "المنقذ"، ويسعى ليكون سليمان "الحكيم"، والحكيم يدرك جيدا أنه يستحيل على شخص واحد أن يقوم بمفرده بعملية الإنقاذ، وأنه لنجاح هذه العملية يجب أن تتضافر جهود كل المنظومة، وأن يشترك الجميع كل من موقعه ومن خلال الالتزام بمسؤولياته ودوره. وأي خطاب خارج عن هذه الرؤية هو خطاب تغريري خدّاع، والتاريخ البعيد والقريب يشهد أن الأشخاص الذين تطوعوا لشأن العام وقرروا إنقاذ المجتمع "ببطولة"، واجهوا الفشل وشتمهم في النهاية الأشخاص نفسهم الذين هتفوا لهم في البداية، إلا القليل النادر من الذين كان لهم مقاربة قيادية ناضجة أشركوا من خلالها جميع أفراد المجتمع في مشروع الإنقاذ ووضعوهم فعلا أمام مسؤولياتهم، ومع ذلك لم يسلم منهم إلا أقل القليل، وأوضح برهان على ذلك أن نعرف كيف انتهت حياة الكثير من الأنبياء والمصلحين.

وعليه، فإن أي إنسان يتسلم المسؤولية الرئاسية في لبنان يجب أن يتجه منذ اليوم الأول ليوضح للجميع أنهم مشتركون اساسا معه في المسؤولية، وشركاء في النجاح والإخفاق على حد سواء، فإن شاؤوا فليعملوا ليتحسن حالهم، وإن شاؤوا فليتقاعسوا ويلعنوا دهرهم ومن شاؤوا، ويتحملوا هم وأبناؤهم من بعدهم ما كسبته أيديهم، لينشد أولادهم مع المعرِّي: "هذا جناه أبي عليّ".

وانطلاقا من الأدب القيادي، أقترح على ضوء ما قدمت ان تكون اول كلمات الرئيس الجدبد في ما يسمى "خطاب القسم" قريبة من روحية النص الآتي:

"أيها اللبنانيون، لقد ولد للبنان اليوم أمل جديد. وها هي امامكم فرصة غالية لتثبتوا للعالم أنكم ووطنكم تستحقوا الحياة. أريد أولاً أن أخبركم بصراحتي التي أتمنى أن تعتادوا عليها، ما يقول عنكم الآخرون، وكيف يقيّمون حظوظكم في النجاح. إنهم يقولون إنكم متخلفون، ولا يغيّر في هذا كونكم أنيقين، ويقولون إنكم مجموعات طائفية ومذهبية منقسمة ومتقاتلة، حجزت نفسها في غياهب واعباء قضايا التاريخ الحزينة، بينما يتسارع العالم من حولها نحو المستقبل والتطور ليُلاقي غدًا سعيدًا.

ويقولون أيضًا انهم قد ملّوا قصصكم وإن أي مجهود يبذل لمساعدتكم معنويًّا كان أم ماديًّا هو هدر وهباء، فأنتم قد أثبتم مرارًا أنكم لا تستطيعون أن تسيِّروا أموركم ولا أن تستقلوا بشأنكم، وفي حين يضحي عدد من الشعوب في العالم بالكثير للحصول على وطن، تتفننون أنتم بتدمير وطنكم الذي يصفه الكثيرون بأحد جنان الأرض. واعلموا انهم عندما ينعتونكم بهذا كله لا يفرقون بينكم إطلاقًا، فحتى لو اعتبرتم انفسكم متميزين عن بعضكم البعض فان العالم يراكم لبنانيون متشابهون.

لقد كان قدرنا في هذه الحياة أن نعيش سويًا، وهذا أمر علينا أن نعيه تماما وأن نقبله قناعة أبدية. إن مصيرنا واحد، فنحن جسد واحد وروح واحدة، ولو تنوعت خصوصياتنا، وقد كتب لنا ان كل ما قد يصيبنا فإنه سيصيبنا سويًا. فإن غرقت سفينتنا هلكنا في الموت معًا، وإن صعدنا بالقيامة فسنحيا معًا. إما أن نحيا معًا وإما أن نفشل معًا.

أدعوكم اليوم ليقود كل واحد منكم مسيرة قيامتنا معًا لنثبت للجميع أن توقعاتهم ورهاناتهم على فشلنا خاسرة واننا قادرون ان نحيا سويا، بل اننا لا يمكن ان نستغني عن بعضنا البعض او عن وطننا.

ايها اللبنانيون. إن شعاري بسيط: إذا لم ننجح نحن في بناء وطن للحياة، فعلينا أن لا نلوم أسلافنا، وأن لايلوم بعضنا بعضًا، وان لا نلوم الآخرين، وأن نتوقف عن لوم الأعداء الذين يفعلون ما يجدر بنا أن نفعله نحن، وهو أن نضع مصلحة بلدنا قبل كل شيء، وعلينا أن لا نلوم حتى المتآمرين لأن الاحتراز هو واجبنا نحن.

إن مسؤولية إعادة انطلاقة بلدنا نحو التقدم والحياة المستقرة والهانئة والمبدعة والرغيدة والكريمة، هي مسؤوليتنا نحن أولاً وأخيرًا. إنها مسؤوليتي كما هي مسؤولية الجميع بدون استثناء وعلى كل فرد منا أن يقوم بإنقاذ وطننا كل حسب طاقته وقدراته، ومن خلال موقعه ودوره، فالأفراد والمجموعات والمجتمع المدني وقطاعات المال والأعمال والإعلام والأحزاب والنُخَب والطبقة السياسية والرسمية والمؤسسات الروحية والتربوية والاقتصادية كلها مدعوة اليوم لواجب الإنقاذ. إن مساهماتنا مشتركين بلا استثناء هي التي سوف تحدد ما إذا كنا سننجح أو سنفشل.

ودعوني أؤكد لكم أننا إذا لم ننجح في العمل سويًا لخير بلدنا فسوف نجد أنفسنا نتفرج على العالم من حولنا يتسابق في تطوير حياته، بينما نضيع نحن في التقاتل والاضمحلال.

ايها اللبنانيون. أجدني اليوم أحمل إلى جانب رسالتي إليكم، رسالة أخرى للعالم، أقول له فيها: نحن لسنا متخلفين أو عبثيين أو هامشيين، نحن شعب يعشق الحياة والمعرفة والإبداع والجمال والفرح والكرامة، وسنثبت للجميع أننا نستحق شرف الانتماء لبعضنا ولهذه الأرض الطيبة.

أعدكم بأني سأقوم بواجبي بكل ما أوتيت من حزم وعزم وثبات وإخلاص، ولكني أطلب منكم كلكم أن تقوموا أنتم أيضًا بواجبكم بجد وأمانة والتزام لنبني وطنًا نحبه لكي يبادلنا الحب ويهتم لأمرنا، وطنا يفخر به أولادنا وأحفادنا والعالم اجمع... وطن للرحمة وللإنسان. عشتم وعاش لبنان".

January 2008

Michael Kouly

Tuesday, January 8, 2008

بين الصبر والحمرنة

بين الصبر والحمرنة

بقلم: مايكل كولي

Michael Kouly

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

أبو صابر كنية مشهورة للحمار في بعض البلدان العربية، تنم عن مدى تحمله للصعاب وطول باله. غير أن كل ما زاد عن حده نقص. وبحسب رأي أحد كبار أئمّة المسلمين، فان الصبر الذي ليس له حدود يصير حمرنةً، والإنسان الذي يستطيع أن يتحمل كل الظروف، ولا ينزعج أبدًا، وإذا ما انزعج فإن هذا الانزعاج لا ينتج عنه أي رد فعل من شأنه أن يغير الواقع أو يثور عليه، فقد اكتسب من خُلق الحمار وميزاته.

السؤال المطروح هو: هل لا يزال صبر اللبنانيين وتحملهم ضمن الحد المحمود، أم إنه قارب المرحلة المذمومة؟

قسم كبير من الناس يرون أن صبر اللبنانيين هو من الخصال الحميدة، ويبررون ذلك بأن البديل عن هذا الصبر لا يعدو خيارات سلبية وقاتمة، كالهجرة والانفجار، وهي ليست في مصلحة أحد. كما يرون أن اللبناني، بفضل صبره، نجح حتى الآن بالتعامل مع الأزمات المتلاحقة وابتكر في كل مرة حلولاً عملانية تقلل من الأضرار، وليس آخرها ظاهرة ابتعاد المزيد من اللبنانيين عن متابعة الأخبار السياسية، تجنبًا لآثارها السيئة على المزاج العام وعلى الصحة، فالتفتوا إلى ما يفيدهم من سعي مُعثّر، وراء رزق مُقتّر، ورغيف مُعفّر.

ويرى آخرون أن صبر اللبنانيين قد خرج عن المرحلة المرْضيّة وصار حالة مَرَضية، وهؤلاء يرفضون التبريرات التي يقدمها الفريق الأول كإشارات ايجابية، ويعتبرونها إشارات سلبية. فمثلاً يعتبر الفريق الأول أن استمرار الحياة بشكلها الحالي بغياب سُلُطات الدولة، يشكل انتصارًا لإصرار اللبناني وتشبثه في الحياة. وبالرغم من أن الباحثين يؤكدون حاجة المجموعات الماسة للسلطة، يتباهى اللبنانيون بكونهم قادرين على تسيير أمورهم وتيسير شؤونهم دونما حاجة للسلطة. الأمر الذي يرى فيه الفريق الثاني تأكيدًا على عمق المشكلة التي أخذت تتكشف بشكل فاضح. فما يحدث اليوم يظهر أن السلطة الرسمية في لبنان هي مجرد سلطة صورية، وأن المؤسسات وصلت لحال مزرٍ من الاهتراء والترهل، وأن اللبنانيين فشلوا حتى الآن في بناء دولة متجذرة في المجتمع يتوافقون عليها جميعًا. وما يفهمه البعض على أنه إستغناء عن السلطة، ليس إلا استبدالاً لصورتها، وإبقاءً على تقاسمها. فالسلطة ابتكار لجأت إليه المجتمعات لتؤمن استمرارها ونموها، من خلال علاقة تعاقدية بين المنظومة من جهة والسلطة من جهة أخرى، تلتزم السلطة توفير التوجيه والحماية والنظام مقابل منح هذه السلطة صلاحيات الحكم وتمكينها من التصرف بالمقدرات العامة وفق الأعراف المرعية، وأنه متى أخلت السلطة ببنود العقد فإن المنظومة تسعى لتبديلها أو إيجاد بديل عنها. والبديل الحاضر في لبنان لم يكن إلا العودة إلى حال ما قبل الاستقلال، فبقيت السلطة موزعة بين ملوك الطوائف، ولم يؤدّ مرور الزمن إلا لترسيخها بأيديهم بشكل أكبر، ما يكشف بوضوح أن لبنان لم يصر دولة بعد، بل هو لا يزال مجموعة من الطوائف المتجاورة جغرافيًّا، مع شيء من التداخل، تسعى منفردة لتحقيق مآربها ولو على حساب الشريك .. والوطن.

وفيما يرى الفريق الأول أن غريزة البقاء تجلت بأقوى صورها في كفاح اللبناني للاستمرار في أحلك الظروف، فابتكر أنماطًا فريدة من الحلول التي تتلاءم مع واقعه الـمُتخم بالأزمات المستجدة. فإن الفريق الثاني يرى أن غريزة البقاء ليست خصوصية لبنانية بل سمة عامة عند كل البشر حمل التاريخ الكثير من نماذجها، فقد كافحت الشعوب عندما تهدد وجودها، واستطاعت تجاوز الأزمات والصعاب، وتأقلمت لكي تستمر وتنمو. ولكن السؤال هل التأقلم هو علامة إيجابية دائمًا؟

الغرض من التأقلم هو خدمة الوجود، أما إذا جاء هذا التأقلم على حساب الوجود فإنه يكون أمرًا سلبيًا. إن التعايش مع الأزمات بدلاً من السعي إلى حلها يستهلك قدرة الإنسان الإبداعية، ويجعله دائرًا في حلقة مفرغة، كحمار الرحى، والشعب اللبناني قدّم تضحيات وتنازلات كبيرة لكي يستطيع الاستمرار. فبينما لجأت فئة من اللبنانيين إلى التنازل في نوعية الحياة والتقلل من الكماليات والرفاهية، فإن الفئة الأوسع حذفت من قاموس استهلاكها كثيرًا من الضروريات أو قنَّنته. إن الوضع السليم الذي ينبغي أن يحيا فيه الإنسان هو أن يكون في بيئة تتطلب منه حدًّا أدنى من القلق على وجوده، بينما يستثمر الكم الأكبر من جهده في التطور والنمو لإنتاج حياة إنسانية أسمى، وأوفر كرامة.

هناك نوعان من التأقلم؛ "التأقلم الإيجابي" Positive Adaptation: وهو التطور لامتلاك المقدرة على حل المشكلة والمضي قدمًا نحو حياة أفضل. و"التأقلم السلبي" Negative Adaptation: وهو التعايش مع المشكلة دون حلها. وخلف التأقلم السلبي يكمن شعور بالعجز واليأس والاستسلام، يحبس الروح ويقتل الأمل، فهل يكون خلف قدرة التأقلم المميزة عند اللبنانيين قناعة وصلت إلى حد اليأس؟ وهل يكون تزايد أعداد الأشخاص الذين قرروا مقاطعة الأخبار، إقرار بتفاقم حالة اليأس والشعور بالعجز والتهرب من المسؤولية Work Avoidance؟ وما الذي يمكن أن يكون غير آلية للهروب من الواقع عوضًا عن مواجهته Escape Mechanism ؟ فراكبوا الحافلة اللبنانية سئموا من السؤال عن وجهتها ومسارها، بعد أن كذبهم الحدث في كل مرة، وقنِِعوا أنهم لن يعرفوا، وأن معرفتهم، هذا إن عرفوا، لن تغيّر شيئًا، ففضلوا العيش في راحة الجهل والتجاهل، واستكانوا لكونهم لن يتمكنوا من اختراق الحياة العامة، أو الدخول في نادي الزعماء المحتكرين للسلطة الحقيقية، أو القيام بما يلزم من مبادرات يمكن أن تحسن الأحوال.

لقد تحوّل صبر اللبناني وتجاهله للأزمة مُعضِلة بعد أن كان حلاً. فاللبناني استطاع أن يصبر ويتجاهل الأزمات التي تنهش لحمه وعظمه وتفت من عضده، ولم يدفعه جوعه ولا ضنك عيشه إلى موقف. وإذا كانت القضية الإنسانية العادلة التي تمسُّه شخصيًّا لا تدفعه للمطالبة والوقوف لمناصرتها بشكل جازم وصارم فأي شيء قد يستطيع تحريكه في المستقبل؟! وكيف يمكن له أن يتعاطف بفعالية مع قضايا الإنسانية إذا لم يكن قادرًا على التفاعل مع قضاياه الشخصية؟

إن المكابرين الذين يرون أن الأمور سائرة والأحوال جيدة بالرغم من الفراغ بالسلطة الرسمية، يتغاضون عن كثير من الحقائق، فالحركة هي في حدها الأدنى وكذلك الأحوال الاقتصادية، والوطن يحتضر وأبناؤه يهاجرون، فكيف تكون الأمور طبيعية؟!. لقد أصبحت حياة اللبناني وطموحه محصورَين بالمستوى الفزيولوجي فقط، وأصبح نشاطه محصورَين على نشاط الجهاز الهضمي، وبعض الأجهزة الأخرى، أما البعد الإنساني ونشاطات الفكر والتوسع فقد شُلّت. فاللبنانييون يجهدون للحصول على لقمة عيشهم دون أن يتوفر لهم وقت أو نشاط ليتمكنوا، كما كانوا، من الإسهام في الحركة الفكرية والثقافية العالمية، وإذا توفر الوقت والنشاط فسرعان ما تبعثرهما هموم الأمن والسياسة والمعيشة. فمتى تمكن إنسان محبط او يائس او مستسلم من التفكير والإبداع؟!. وكيف لا يُحبَط اللبناني ومقومات الوطن تنهار ومؤسساته لا تعمل، فيما يشعر هو بالعجز؟ ولعل المؤسسة الوحيدة التي تستمر في عملها حتى الآن هي المؤسسة العسكرية، لأنها تؤمن مطلبًا يتفق عليه الجميع وهو الحد الأدنى من النظام والحماية، ما يفسر ترحيب عموم الشعب بالجيش وقائده كمرشح وفاقي لرئاسة الجمهورية عله يكون ضمانة للحفاظ على آلية الدولة والمؤسسات لتأمين الأمن والرغيف في ظل غياب الرؤية المشتركة عند المجموعات اللبنانية التي لا تزال أقليات طائفية ليس بينها ثقة أو تفاهم، سوى توافق ضمني بين زعمائها لتشكيل بيئة ضابطة هشة لمنع تجدد الحرب الأهلية.

أما الدستور الذي ينبغي أن يشكل المساحة المشتركة بين الجميع، فمسكين هو. اللبنانيون ما فتئوا يفخرون بالقول إن التوافق عندهم أهم من الدستور. ولا عجب في ذلك، إذ ليس في ثقافة اللبناني ولا تربيته، بشكل عام، احترام القانون ومراعاته. ويكفي أن تقود سيارتك في شوارع لبنان لتعرف أن الشاخصات المرورية لا تعدو أن تكون مجرد اقتراحات خجولة ينعت المجتمع من يلتزم بها بالغباء والقصور، وهذا مؤشر بليغ لتعامل اللبنانيين مع سائر الأنظمة والقوانين وصولاً إلى الدستور!.

يبقى أن نقول إن ما يجري في لبنان هو بامتياز صراع المذاهب المتخاصمة على السلطة والمقدرات، وهذا الصراع يتجلى بأوضح صوره، وليست الشعارات التي ترفع لترجع الأزمة إلى أزمة ثقة أو تفرد أو مشاركة أو استئثار أو توافق أو حتى خلافات دستورية إلا أغلفة لهذا الصراع الذي مزّق الأقنعة وكشف المستور. والجلي المُلفت في هذا الصراع هو مدى سيطرة الزعماء على تابعيهم وجمهورهم. فالصراع وصل إلى ذروته، وتشابكت فيه المصالح الداخلية والخارجية دون أي فاصل دقيق، وتهاوى الاقتصاد، وتفككت الدولة ومع ذلك لا يزال الزعيم مرتاح البال هانئ العيش، لا يقلقه محاسبة الجماهير ومساءلتهم أو حتى سؤالهم عن مصلحتهم المرتجاة من سلوكه السياسي ومواقفه "الوطنية" أو غير الوطنية.

والمُلام في هذا ليس الزعيم الذي وجد كرسيًّا وثيرًا فاستطاب جلوسه، بل الجمهور الذي ينقاد بتبعية عمياء، ويُقدم الثقة الخرساء، والاتكال المطلق، والرضا التام على الزعماء وتقبّل كل ما يصدر عنهم من تصرف "مسؤول" ولو كانوا يقودونهم إلى الانتحار التدريجي على سلم الصعود إلى الهاوية، ما دام يعدهم بحمايتهم من إخوانهم في الوطن وبالمحافظة على حقوقهم المذهبية، أو استردادها، أو تعزيزها.

ومما لا شك فيه أن لغياب العمل القيادي، خاصة على مستوى النُخَب، دورًا كبيرًا في تفاقم الإشكالات. فالفكر القيادي هو الكفيل ببثّ ثقافة المحاسبة والمساءلة للسلطة، رسمية كانت أم فعلية، على أساس أن دورها خدمة المجتمع والسعي لتطوير المفاهيم التي تؤمن بقاءه ونموه. وفي هذا الإطار فإن وجود الفرد معتمد بالضرورة على وجود الآخر، ولا يمكن أن يُبنى انتصار حقيقي لصالح الإنسان والإنسانية على انكسار الآخر، بل إن المصلحة الشخصية والأنانية تفرض أن يتحلّى الإنسان بدرجة من الذكاء تُمكِّنه من أن ينظر أبعد من أنفه بقليل ليستيقن أن اعترافه بحقوق الآخر ومساندته هو ما يؤمن له مصالحه الخاصة ويوصله إلى حقوقه، فالمصلحة الحقيقية للأنا تمر عبر مصلحة الآخر، وبالتالي فعلى اللبنانيين أن يدركوا عمق الترابط العضوي بين مصالحهم، وأن هذا الترابط دائم وهو مفتاح لُحمتهم.

وإلى أن يرتقي العمل السياسي إلى هذه الدرجة من الوعي، تبقى الطبقة السياسية في لبنان خالية، بشكل عام، من رجالات الدولة وحُماة المؤسسات. فكثير من الموجودين، بالرغم من أنهم تخضرموا وحازوا الألقاب الرسمية والوطنية،لم يتجاوزوا كونهم زعماء مليشيات أو ممثلي طوائف، ونادرًا ما يخرجون في دائرة تحركهم عن المصالح الفئوية والشخصية، ليلامسوا بخجل الأهداف الوطنية الجامعة والمصلحة العامة.

ويبقى المُستغبى في هذه الصراعات المواطن العادي الذي يتحمل أضرارها على حساب أمنه ومعاشه وكرامته وحقوقه المدنية وإمكانات وطنه ومستقبل أولاده، وهو مع ذلك كله "متأقلم" يتابع حياته. والخوف أن يصل به الحال ليكون مثل الضفدع الذي عندما وضع في مياه ترتفع درجة حرارتها تدريجيًّا ظلَّ يُفاخر بقدرته على الصبر والتأقلم مع ازدياد الحرارة حتى مات. فصدق فيه القول: مِن الصبرِ ما قتل، واستوفى ملاحظة الإمام الشافعي المشار إليها في المقدمة: "من استُغضِبَ فلم يغضب فهو حِمار".

January 2008

Sunday, December 9, 2007

لبنان تجربة رومنسية

لبنان تجربة رومنسية

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

لا عجب أن يكون "البانادول" أشهر دواء في لبنان، فأخبار لبنان تسبب الصداع؛ وخاصة في الأسابيع الماضية حين انشغل العالم بموضوع الانتخابات الرئاسية، فوفود قادمة ووفود مغادرة، واتصالات وتصريحات، ولقاءات ومشاورات، حتى إن الملاحق لنشرات الأخبار يشعر بدوار بسبب الفتق والرتق، والتكرار الرتيب للأسطوانة عينها. ويزداد العجب والتعب عند تتبع المحللين، وما أكثرهم، وهم يُدلون بدلوهم ويبدون رأيهم، وإذ ذاك يُطرح السؤال: كيف يعجز هذا البلد الصغير عن إدارة شؤونه وفيه هذا الكم من المفكرين القادرين على تحليل أحداث العالم بأدق تفاصيلها، والتنظير في معضلة البيضة والدجاجة ومعضلات أعقد؟

الاهتمام الدولي الذي ظهر بالزيارات والاتصالات المكثفة، أثبت مرة جديدة أن لبنان لا يمتلك مقومات الاستمرار الذاتي، وهو لا يزال بحاجة لرعاية دولية خاصة. ومع احتفاله المفترض بعيد استقلاله الرابع والستين، فإن لبنان لم يتجاوز كثيرًا كونه فكرة رومانسية تداعب مخيلة "المؤمنين به" دونما اقتدار على تحقيق هذه الفكرة حتى الآن.

قد يغضب هذا الكلام الحالمين المصرين على تبني فكرة لبنان، على النحو الذي تتراءى لهم، وهذا أمر طبيعي؛ فلبنان بلد جميل، يشغل بقعة جغرافية مميزة، والقيم التي كان ليجسدها سامية ونبيلة على المستوى الإنساني، لكن الحقيقة قد لا تكون سارة. فقد فشل لبنان في المعيار الأساس لنجاح أي كيان وهو توفير حياة كريمة لأبنائه. كما أنه لا يزال عاجزًا عن إقرار منطق مشترك يحتكم إليه أبناؤه لحل النزاعات فيما بينهم، ففي حين يتمتع الغاب بشريعته الخاصة، يبقى لبنان بلا شريعة أو شرعية أو مشروع، بل كثير من الشعارات الفارغة، والشوارع المكتظة والمتصادمة.

وعلى كل حال فهذه لم تكن المرة الأولى التي يشغر فيها كرسي الرئاسة الأولى في لبنان، دون أن يوقف هذا الفراغ استمرارية الحياة اليومية. وقد يحسب البعض أن هيبة النظام وعبقرية واضعي الدستور هما ما سَلَّم البلاد من الفوضى وحفظ العباد من حال الجمود وشَرَك الفتن، وكان هذا الحسبان ليكون وجيهًا لولا أن الحديث عن لبنان، فالهيبة سقطت مرات ولا تزال تتعثر، والدستور يُنحى حين تدعو الحاجة، ثم يُدعى فيأتي صاغرًا. وقد يذهب آخرون إلى أن ما حال دون المحظور، ونجَّى من المحذور، هو وجود المؤسسات التي قامت بدورها على أتم وجه بحيث غطت النقص وسدت الثغرة. وكان هذا ليكون مقبولاً لولا أن الحديث عن لبنان، فالكرسي الرئاسي فارغ، ومجلس الوزراء نصف فارغ ومتنازع على شرعيته، أما مجلس النواب فمعطل، والسلطة الأمنية لا تتصرف إلا بعد تأمين الغطاء السياسي من أمراء الطوائف.

غاية ما في الأمر أن هذا الحدث، أو بالأصح عدم الحدث، دلّ من جديد على أن السلطة في لبنان موجودة في مكان آخر غير المؤسسات، ما يعني وجود نوعين من السلطة؛ السلطة الرسمية Formal Authority التي هي سلطة شكلية، والسلطة غير الرسمية Informal Authority والتي هي السلطة الفعلية. وأن أصحاب السلطة الفعلية، الذين هم آباء العائلات اللبنانية، أي زعماء الطوائف، متوافقون، من حيث المبدأ، على تظهير هذه السلطة في شكل المؤسسات، علّهم بذلك يتوصلون إلى صيغة دولة ووطن، لكن مجريات الأمور كانت دوما تعاكس هذه الإرادة الخجولة لينكشف أن اللبنانيين لا يزالون ينتظرون ولادة لبنان كدولة تشبه سائر الدول، وأن شعارات: "الجمهورية الثانية" و"الجمهورية الثالثة" ثم "الاستقلال الثاني" شعارات مبالغ فيها، والأصح أن تستبدل بشعار متواضع يسعى أولاً إلى "ولادة لبنان وطنًا للحياة والإنسان".

إن مراجعة التاريخ تُظهر أن لبنان الجنين لم يحظَ بمقومات الاستقرار فضلاً عن مقومات الاستقلال، وبالتالي فهو قد يُضَيِّع فرصة الاستمرار. فالولاء للوطن طغت عليه ولاءات أُخر، والسيادة غيبها تدخل واستدارج دول المنطقة والعالم، أما الحرية فهامش ضيق جدًا يناور فيه اللبنانيون من خلال خيارات محصورة، أضف إلى ذلك أنهم لم يتحرروا بعد من سجن ولاءاتهم الخانقة.

قد يفرح البعض عندما يُقال: إن لبنان عصيّ على الشدائد. وإنه كطائر الفنيق، يقوم كل مرة من وسط الرماد، لينطلق حيًّا من جديد. وإن الشعب اللبناني تحمل ما لا يستطيع غيره من الشعوب أن يتحمله. وإنه رغم كل الأزمات بقي موحدًا، لم ينقسم أو يتقسم، فهو كما يفتخرون "أكبر من أن يبلع، وأصغر من أن يقسم". ولكن إلى متى سيظل طائر الفنيق يخوض تجربة الموت، ثم ينفضها عن نفسه. ألم يتعلم هذا الطائر أن الأجدى له أن يبتعد عن الموت، ويكتفي بمعانقة الحياة. ألم يكتف اللبنانيون من أن يكونوا مصدر إلهام يعلمون الناس كيف ينفضون السقوط ويقفون من جديد. ألا ينبغي أن يتحمسوا لتقديم نموذج جديد يلهمون فيه الناس أن يتجنبوا الانزلاق ويتابعوا الانطلاق.

لبنان صمد، نعم. ولكنه صمد في غرفة العناية المركزة، وهو يحيا على تنفس اصطناعي من خلال دعم سياسي واقتصادي وأمني. ممتع هو القول إن التجربة اللبنانية رغم كل الصعاب لم تفشل، ولكن أليس من الواجب الاعتراف بأنها أيضًا لم تنجح، ويبدو أن كثيرًا من الناس فقدوا الإيمان بأنها قد تنجح بصيغتها الحالية، وأبواب السفارات خير شاهد على ذلك. لقد حان الوقت ان يواجه اللبنانيون الحقائق المرة وأن يبدؤوا البحث عن صيغ جديدة أكثر قابلية للحياة.

إن المعيار الحقيقي لنجاح النموذج اللبناني، أو أي نموذج آخر أو صيغة أخرى، هو مدى قدرته على تأمين العيش الكريم لأولاده، دون خوف أوقلق، وإعطائهم أملاً وإيمانًا بالغد، وتوفير مساحة يكتشفون فيها فرادتهم ويحيونها، ليكونوا مصدر إلهام للآخرين. ولكن إلى أي حد نجح لبنان في تحقيق هذا الهدف؟!.

قد يبدو هذا الكلام قاسيًا، وأن المطلوب هو الرحمة في النظرة إلى اللبنانيين، وتفهم واقع حالهم، وهذا حق. لذا فمن الإنصاف أن نقول إن المهمة التي أنيطت باللبنانيين لم تكن سهلة، فقد تعيّن عليهم أن يبنوا هيكلهم من مواد مختلفة، وفي بعض الأحيان متنافرة، فكانت النتيجة بناء هشًّا يحتاج أن يتدخل الآخرون مرة بعد مرة لحمايته من السقوط والتهاوي. والواقع أن سبب هشاشة هذا البناء هو عينه سبب أهميته وتفرّده، لقد قيل قديمًا إن الحياة هي تصالح الأضداد. ولبنان هو نموذج بديع لهذه المصالحة.

أن اللبنانيين أثبتوا كفاءتهم وتفوقهم في أصقاع الأرض، وهم لم يفشلوا في مشروع وطنهم عن عجز أو ضعف أو قصور، بل لأن المشكلة التي تواجههم قد يكون حلها مستحيلاً في هذا الشرق المتخبطً، فالتجربة تتطلب من اللبنانيين أن يتجاوزوا عبء التاريخ دون أن ينفصموا عنه، وهذا صعب جدًا على أي فرد أو شعب. لقد حملت الذاكرة اللبنانية قصصًا كثيرة، لم تكن بمعظمها مفرحة، واللبنانيون ينظرون إلى بعضهم البعض من خلال كمٍّ هائل من الإرث المطمئن حينًا، والمحبط أحيانًا، وفي الوقت عينه عليهم أن يكونوا شعبًا واحدًا.

لبنان حالة مصغرة تجسد العالم، فالشعوب تحمل مثل هذا الإرث الذي تنظر من خلاله للآخر، وسوف يتعيّن عليها، عاجلاً أم آجلاً، أن تخطو باتجاه المصالحة والانصهار، لئلا تأكل الحروب الحياة. وبينما يثابر اللبنانيون على هذا الاتجاه لأسباب كثيرة، رغم التاريخ الدامي، تحصن باقي الدول شعوبها المتجانسة بالمسافات، وببناء جدران العزلة، وزيادة قيود التواصل من جوازات السفر والتدابير الأمنية على الحدود وفي المطارات.

إن الظروف المحيطة في الوضع اللبناني وسرعة التغيرات زادت من الضغوط الملقاة على عاتق اللبنانيين، ولعل من الحكمة أن يُصار إلى التخفيف من هذا الحمل، والعمل على التدرج في إنجاز نموذج تقبل الآخر والانصهار معه، لأن عملية الانصهار القسرية والمتسارعة للعناصر المتنافرة سوف تحدث المزيد من اضطرابات وانفجارات كالتي ما زالت تحصل منذ تاسيس لبنان. وعلى الرغم من جميع التبعات التي تنشأ عن هذه العملية لا يزال اللبنانيون يتابعون السعي في الحوار والتواصل. ربما لم تكن النتائج مشجعة حتى الآن، ولكن الذي يشجع ويبعث الأمل هو إصرار اللبنانيين ومواصلتهم المسير دون كلل أو ملل. وأنهم وعلى رغم الدماء التي سالت بينهم في الحرب الأهلية أصبحوا اليوم، بحسب الظاهر، أقرب إلى بعضهم، وأكثر تسامحًا وقدرة على الغفران من ذي قبل. حتى بعض أولئك الذين كانوا بالأمس القريب غلاة التطرف، باتوا حريصين على وجود الآخر في مشروعهم للوطن ونظرتهم إليه، بعدما كانوا يستثنونه منه.

ومما يُبشر بمسار إيجابي وجود تحالفات وتفاهمات داخلية ناشئة عن اختلاف في الرؤية والمشروع السياسي عوضا عن الاصطفافات الطائفية التي بدأت تتراجع نوعًا ما بفعل تداخل التحالفات وتنوعها. صحيح أن هذه التحالفات قد تحمل أبعادًا تكتيكية، ولكن استمرارها سوف يؤدي إلى تعمقها وإلى مد مزيد من الجسور وبناء مزيد من الثقة، كما تسهم في نشر ثقافة تفهم الآخر، مع ما يُبنى على ذلك من بذور لمستقبل أفضل.

على أن هذه الإشارات تبقى هشة وضعيفة، ما لم تُنَمَّ وتستثمر بأعمال قيادية تُحرِّر الأفراد من الموروث الذي يزيد الحواجز ويحفز الهواجس ويقلل الثقة. أعمال قيادية تعزز القيم المشتركة وتطورها لتكون أشمل وأكثر إنسانية، وبهذا يمكن للبنان الوطن أن يولد من رحم الطوائف، ولو بعد حين.

إن التحدي الذي تواجهه أغلب المجتمعات والدول هو التطور، بينما قدر لبنان أن يواجه تحدي الوجود، حيث تشبه ولادته محاولة بناء منزل في مهب الإعصار، وهذا التحدي يتطلب أعمالاً قياديّة جبارة على وزن شخصيات عملاقة مثل غاندي وماندلا. وأول المدعوين لممارسة هذا العمل القيادي هم الزعماء والسياسيون، الذين وبالرغم من تزايد انتقادات اللبنانيين لهم، يبقون الأقدر على استعمال ادوات سلطتهم في التواصل مع الجمهور، وضبط حركته، وتوجيهه بشكل بناء، إضافة إلى أنهم يشكلون نقطة التقاء عوامل الضغط الهادفة إلى إنجاح البلد أو إفشاله، وقد أحسنوا، إلى حد ما في التعامل مع هذا الكم الهائل من الضغوط، وعزله جزئيًّا عن المجتمع وحمايته من التقاتل.

أن التحدي الذي يواجه الطبقة السياسية هو أن تتوصل إلى صيغة تسمح بقيام الوطن وإطلاق مؤسسة الدولة دون أن تُلغى الطوائف أو تذوب. وإن ما يجب أن تضعه نصب أعينها هو أن العمل القيادي يسعى إلى تعزيز الفرص، كالتي هي سانحة الآن، والاستفادة منها، بما يخدم الحياة وتطورها.

الفراغ الحقيقي الذي يهدد لبنان هو فراغ مشروع التوافق لبناء لبنان الدولة والرسالة، وفراغ قلوب اللبنانيين من ما يلزم من شعور الرحمة تجاه بعضهم البعض، وهذا أقسى من فراغ في المناصب. فالرؤوس والقلوب الفارغة أخطر بكثير من الكراسي الفارغة.

November 2007

Michael Kouly

Wednesday, October 24, 2007

مسلمو لبنان الحديث وحكم التاريخ

مسلمو لبنان الحديث وحكم التاريخ

بقلم: مايكل كولي

(الكاتب رئيس سابق لرويترز الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الأستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون الأمريكيتين. للتعليق: Michael.kouly@post.harvard.edu)

نصحني البعض أن لا أكتب هذا المقال، واستحضروا ردات الفعل على محاضرة البابا بنديكتوس الشهيرة، وعلى الرسوم الدنماركية، ليؤكدوا حساسية التحاور مع المجموعات الدينية في زمن العواطف الجياشة. ولكني مضيت قدمًا على اعتبار أن هذه المقالة لا تستدعي ردات فعل مثل تلك التي حصلت في الحادثتين آنفتي الذكر، لاسيما أنها تناقش السلوك السياسي لمسلمي لبنان، وليست موجهة إطلاقًا إلى الدين الإسلامي الموقر. وأن تسليط الضوء على صورة ما قد لا تكون مستحبة للبعض، لا يقصد به الإساءة أو الانتقاص، بل فتح باب الحوار حول هذه الأفكار. وقد شجعتني نصيحة يرويها المسلمون عن الإمام علي: "اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال". وعليه فأملي أن ينظر القارئ إلى مقالتي نظرة موضوعية، ويتعرف إليّ عبر المقالة، بدلاً من أن يتعرف إليها عبري. كما أن العمل القيادي يتطلب جرأة وإقدامًا ومصارحة، على اعتبار أن المجتمع لن يتطور ولن يُعالج مشاكله إن لم تحرره الحقيقة المرة من قيود الأوهام الحلوة.

وبعد هذه المقدمة الاستباقية؛ فقد رأيتُ أن أتصفح في رحلة زمنية نحو المستقبل، كتب التاريخ في القرن الثاني والعشرين، لأقرأ ما دوّنته عن سياسيي "مسلمي لبنان المعاصرين"، على غرار ما فعلته في مقالة سابقة عن "الموارنة".

وبالطبع فإن النظرة السياسية إلى المسلمين، والقصد في هذه المقالة دائمًا مسلمو لبنان تحديدًا، لا تكون واحدة، والاستنتاجات لن تكون متفقة، فثمة مؤرخون سيفخرون بما حقّقه مسلمو لبنان من خلال مجاراتهم الفريق المسيحي في هواجسه وهمومه، والقبول بقيام دولة صغيرة ضمن المد الإسلامي الكبير يكون المسيحي رئيسها، وسيعتبر هذا الفريق أن تصرف الفريق المسلم كان قمة في التعايش والنظرة الإنسانية التي لا تفرِّق بين إنسان وآخر بسبب اختلاف المعتقدات. عدا أنه تصرُّف سياسي ممتاز، فقد استنقذ المسلم اللبناني نفسه من الغرق في البحر العربي والإسلامي المحيط به، والذي كان ليكبِّله ويجعله جزءًا صغيرًا غير قادر على التأثير والمشاركة الحقيقية في القرارات المصيرية، وأتاح لنفسه بمشاركة الفريق المسيحي أن يتميّز عن سائر المحيط، ويستفيد من تعاطف الغرب المسيحي المتفوق علميًّا وعسكريًا واقتصاديًا. واستكمل بذلك الدور الذي منحته إياه الجغرافيا وعززته الديموغرافيا ليكون همزة الوصل بين الشرق والغرب.

فالمسلمون من هذه الوجهة تحدوا الخط العام العربي والإسلامي بقبولهم قيام بلد يتقاسمون فيه السلطة مع المسيحيين، في حين ترى كثير من التيارات الدينية المتشددة عدم جواز إشراك غير المسلم في الحكم، ولا بد أن يُسجل لهم أنهم بهذا سمحوا للبنان أن يولد، وبرهنوا على قدر كبير من الاعتدال والسماحة، حين رضوا أن يشغل المنصب الأول في الدولة مسيحي، -- لا ننسى أن المسيحيين في فترة ولادة لبنان الكبير كانوا أكثر عددًا من المسلمين، ومتقدمين علميًّا واقتصاديًّا وديموغرافيًّا--. صحيح أن المسلمين طالبوا منذ الاستقلال بمشاركة أكبر في السلطة، ولكن روية معتدليهم، وممانعة المسيحيين، لم تمكِّنا التيارات القوية في المنطقة، دينية كانت أم قومية، أن تجرف الصيغة اللبنانية، وبهذا بقيت حركتهم في مواجهة المارونية السياسية مضبوطة الى حد ما في أطر من الثوابت للحفاظ على لبنان.

وكان المظهر الأبرز لتفهم المسلمين، موافقتهم في اتفاق الطائف، على تقاسم السلطة مناصفة بغض النظر عن التفوق العددي في تلك الفترة، لَكأنهم أدركوا أن الفريق المسيحي، مع كونه طرفًا أصيلاً في الشرق، لا يمكن أن يشكل عليهم خطرًا حقيقيًا، وأنه سيبقى في حالة دفاعية، كونه محاطًا بمليار مسلم.

ولا شك أن مقاومة الضغوط التي انصبت على المعتدلين منهم لم يكن سهلاً في ظل تنامي المد الرديكالي، الذي لم يزل يهب على لبنان منذ مطلع القرن العشرين. ولكن هذا لا يُعفي المسلمين عامة من أن مسؤولية الحفاظ على الصيغة اللبنانية، تقع على عاتقهم قبل أن تقع على عاتق المسيحيين، لأنه سيصعب على الفريق المسيحي أن يجد صيغة بديلة قابلة للعيش تكون أنسب له من الصيغة الحالية، أما الفريق المسلم فهو الذي عليه أن يحزم رأيه نهائيًّا بهذا الاتجاه لتزيد حصانة لبنان من توترات الخارج. سيما وأن الفريق المسلم يستشعر الأمان في محيطه خلافًا للفريق المسيحي المثقل بتاريخ من الاضطهاد والشعور الأقلوي.

وفي المقابل فإن ثمة مؤرخين سوف يلومون مسلمي لبنان على أنهم كانوا ودّيّين أكثر من اللازم، لاسيما بعد الطائف، إذ رضوا بأن ينضووا تحت جناح الأقلية المسيحية، وتخلوا عن حقهم بالسلطة التي تكون للأقوى بحكم الواقع، أو للأكثر بحكم الديموقراطية، وسيعتبر أن المسلمين كانوا الأقوى عند قيام دولة لبنان بمحيطهم، وعند الطائف كانوا الأقوى داخليًّا. وسيرى هؤلاء أن زعماء المسلمين بتساهلهم ورضاهم "بالاستئثار" المسيحي منذ الاستقلال، خلقوا نوعًا من عدم التوازن وجعلوا البلد تعيش حالة من الاضطراب تُرجمت حروبًا أهلية وتعثّرات متكررة أخّرت البلاد وأقلقت العباد. وضمن هذا الفريق المنتقد هناك من سيبرّر وُدِّيَّة الفريق المسلم بأنه إنما قبل على مضض وإكراه قيام دولة لبنان الكبير، حيث رأى بمشاركة المسيحي في السلطة ثمنًا محمولاً لخروج المستعمر الفرنسي، مع ما يستجلبه الاستعمار من صور للحملات الصليبية، التي لم تزل صاحية في ذاكرة المسلم ووجدانه. ومع ذلك فقد ظل يتحمل معاناة "الإقصاء" عن القرار طوال فترة "الاستئثار" المسيحي، ما عُرِف بالمارونية السياسية، وهو يتحيَّن الفرصة السانحة لينقضّ وينتفض، ويقلب المعادلة، ولذلك فقد استغلوا كثيرًا من الفرص الداخلية والخارجية لتحويل لبنان بشكل أو بآخر إلى بلد إسلامي، وربط خطه السياسي بباقي البلاد العربية والإسلامية، تحت عناوين متنوعة من وحدة عربية، إلى أمة إسلامية إلى تبني الثورة الفلسطينية، والذهاب بعيدًا لاعتبار أن الفلسطينيين هم جيش المسلمين في لبنان. الأمر الذي قد يرى فيه بعض المفكرين تقويضًا لأهم تجربة ريادية في العالمين العربي والإسلامي، حيث إنهم، ضمن قاعدة لبنان لنا أو نحرقه، أضعفوا الدولة الوحيدة في الشرق التي تبنت الحداثة والحرية، وقامت على المؤسسات، وآمنت بالديموقراطية والانفتاح وحقوق الإنسان، بعد أن أصبحت منارة للثقافة والعلم والأدب والفكر والفن في المنطقة والعالم.

ولا تُغني أي من النظريتين عن الأخرى، لأن الحقيقة التاريخية هي مجموع كل الروايات التي تبدو متناقضة. وانطلاقًا مما سبق نعود من المستقبل إلى الحاضر، ونطرح الأسئلة التالية، ونحاول الإجابة عليها:

ما هو وضع المسلمين في العام 2007؟ وهل استفادوا من تجارب الماضي؟ وهل كان من الممكن أن يكون الوضع أفضل؟ وإلى أين تتجه الأمور بحسب مجريات الأحداث؟ وما الذي ينبغي عمله؟

في العام 2007 لم يواجه المسلمون أي مشكلة في المشاركة بالسلطة، بل إن باقي الأفرقاء يتحدثون عن استئثار المسلمين، حتى إن البعض ينظر إلى اتفاق الطائف على أنه صيغ لتعزيز الحضور المسلم على حساب الحضور المسيحي. لكن المشكلة البارزة التي واجهت المسلمين هي الانقسام المذهبي الذي لم يكن يومًا بهذه الحدة، ما أدى إلى تعطيل البلد. وأخطر ما في هذا الانقسام أنه يتجاوز الحدود اللبنانية، ويفرض على اللبنانيين أن ينتظروا توافق الأطراف الكبيرة التي تعكس هذا الانقسام، لينعكس على الوضع الداخلي في لبنان، لأن كل طرف من المذهبين الإسلاميين رهن ولاءه لدولة إقليمية لأسباب أديولوجية وبرغماتية.

ولا شك أن تجارب الماضي أغنت المسلمين نضجًا سياسيا، فقد تواصلوا مع مراكز القرار في المنطقة منذ مئات السنين، ولم يشعروا بالخوف أو بعقدة الأقلية، بل كان تواصلهم مع الأمويين فالعباسيين ثم العثمانيين تواصلاً مع سلطة تحمل قدرًا كبيرًا من التوجهات المشتركة، لا سيما أن السمة الأبرز التي حددت ولا تزال هوية الإنسان في الشرق الأوسط هي الدين، وعليه فقد كان تعامل المسلمين مع السلطة تعاملاً مع "الأنا" وليس مع "الآخر"، خلافًا للمسيحيين.

وقد عاين المسلمون في فترة ما بعد الاستقلال، كيف ميّزهم لبنان بصيغته التعددية عن سائر محيطهم العربي والإسلامي، ثقافيًّا وحضاريًّا وعلميًّا، فقد عرفوا الحرية والديموقراطية واستفادوا منهما إبداعًا وحضورًا إنسانيًّا، في حين لا تزال شعوب المنطقة قابعة تحت وطأة الديكتاتوريات. وقد حققوا من انفتاحهم على الغرب مكاسب اقتصادية، واكتسبوا معارف جمة، من خلال الجامعات التي شيّدها الغرب المسيحي في لبنان، فكانت ولاتزال الأهم في الشرق الأوسط وأغنت لبنان بالعلم والمعرفة والفكر والثقافة. أضف إلى ذلك أنهم لم يقطعوا بسبب علاقتهم مع الغرب صلتهم بالشرق، بل إن هذه الصلات تعززت إن كان مع مصر والسعودية والأردن وسوريا وإيران وتركيا. غير أن كل هذا النضوج لم يثمر في ترسيخ قناعة المسلمين بأولوية الوفاق الداخلي، وتقدمه على العلاقات الخارجية وسائر الولاءات.

وهل كان من الممكن أن يكون الوضع أفضل؟ من الواضح أن بعضًا من الثقة بين الفرقاء اللبنانيين، ومزيدًا من التفاهم حول إدارة البلاد كان ليحول دون نشوء الحروب والتوترات، وكان ليؤمن عامل الاستقرار الذي يتعطش له اللبنانيون، والذي كان لينعكس بشكل إيجابي على كامل النسيج اللبناني بمختلف أطيافه. فمن الجانب الإسلامي الذي يعنينا في هذه المقالة، فإن الثقة المطلوبة كان يمكن الوصول إليها لو لم تتعمق الخلافات لتصير انقسامات وولاءات جعلت كل طرف يتهم الآخر بأنه لا يملك قراره، وبالتالي لا يمكن الوثوق به. كما أن الشريك الآخر، أقصد المسيحي لا يزال بحاجة لطمأنة، فهو لم ينسَ بعد ما حصل له بعد الطائف من تغييب واضطهاد، على مرأى ومسمع شريكه المسلم، دون أن يقوم الأخير بفعل ما يكفي لمنع معاناته.

أما إلى أين تتجه الأمور؟ فلا شك أن لبنان اليوم يواجه تحديات كيانية، فإما أن يعي الجميع مسؤوليتهم، ويشاركوا في اجتراح الحلول، ويتقبلوا بعضهم كشركاء حقيقيين في رؤية واحدة للوطن، وإما أن يتحول لبنان من مجتمع غير متجانس إلى مجتمع متنافر.

والحقيقة الأعمق أن مسؤولية مسلمي لبنان تتجاوز وطنهم وشركاءهم فيه، وتصل إلى دورهم تجاه تحديات المسلمين في العالم، والتي تشمل عناويين عديدة؛ من أبرزها: الحداثة والعلمنة والعنف، ولا يزال مسلمو لبنان الأقدر على مقاربة هذه العناويين. صحيح أن التجربة التركية ستقدم مقاربة مهمة في عنواني الحداثة والعلمنة، إلا أن هذه المقاربة ستكون وفق أصول وأسس علمانية، ونجاح الإسلاميين إذا حصل لن يكون خالصًا لهم بل سيكون نجاحًا لتعايش الدينيين مع العلمانية، وسيقتصر نجاح الدينيين في السلطة على إدارة البلاد بشكل أفضل، وفسح المجال للنظام العلماني ليأخذ مجراه. كما أن موضوع العنف من زاوية "الآخر" ليس مطروحًا في تركيا المسلمة، إذ لم يبقَ اليوم أقليات ذات حجم يسمح لها بأدنى مشاركة في السلطة. وكذلك سائر التجربات المثيلة في العالم، فإن كل واحدة منها تبقى محتفظة بخصوصيات تحصرها في ظرفيها الزماني والمكاني، بينما يقدم النموذج اللبناني حتى الآن مقاربة متميزة، يمكن أن ينظر من خلالها إلى مستقبل علاقة المسلمين بالعالم، حيث تتمتع الأطياف اللبنانية بكامل شخصيتها، وعليه فإن مقاربة سائر القضايا ستكون ممثلة لمفاهيمهم وخصوصياتهم، دون أن يطغى عليها إيديولجيات أخرى، كما أن "الآخر" حاضر في النموذج اللبناني لشراكة حقيقية، وليعطي صورة عن تعامل المليار المسلم مع المليارات الخمسة الآخرين في العالم. فلبنان هو المكان الأصلح لاختبار علاقة المسلم مع "الآخر" المعاصر.

حتى الآن كان تعاطي مسلمي لبنان مع هذه الإشكاليات خجولاً، كما بقيت خطواتهم ناقصة، وإن كانوا حققوا نجاحًا مقبولاً فيها. فبالرغم من أن السمة العامة لمسلمي لبنان هي الاعتدال، إلا أن الخطاب الديني لم يتحرر من رديكالية ما تزال تبشر بهزيمة الغرب وتعد العدة لمواجهة عسكرية، وتنسب كل من لا يُجاريها في هذا الطرح إلى التخاذل والتفريط بل والارتداد عن الدين في بعض الأحيان.

وحتى يتمكن مسلمو لبنان من المشاركة في صياغة ثقافة العصر الأنسانية، والإسهام إيجابيًّا في تطور العالم، لا بد أن يتفقوا، أو على الأقل أن يعي مفكروهم أن دورهم ليس المشاركة في حروب بين الشرق والغرب، أو تأجيجها، بل دورهم إظهار سماحة الإسلام، والمساحة الواسعة التي أوجدها ليتواصل الإنسان مع أخيه الذي يلتقي معه في كثير من المثل والقيم الإنسانية، مصداقًا للآية القرآنية الكريمة: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

إن وراثة الأنبياء والسير على هداهم، يُحتِّم على أصحاب الرسالات متابعة رسلهم في وظيفتهم القيادية، التي ركزت على معالجة المشاكل القيمية، وقد أوضح الرسول الكريم أن لب رسالته إصلاح القيم فقال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الخلاق".

وعليه فمسؤلية مسلمي لبنان أن يتجاوزوا صراعات السلطة والطوائف والمذاهب في البلد الصغير، ليطلوا من خلال لبنان، على مسرح الإنسانية الكبير، ويقدموا عرضًا على المستوى الإنساني الشامل، ويبرهنوا للعالم أنه ليس ثمة إشكالية في الإسلام مع "الآخر" ولا مع الحداثة، بل إن الدين يستوعب الحداثة، ويحترم "الآخر"، وأن العنف ليس هو الخطاب الموجه "للآخر"، وهم بهذا يبرئون ساحة الدين مما ألحقه به تصرف المسيئين، ويقدمون خدمة جليلة على درب مصالحة الإنسانية المتخاصمة.

إن لبنان "رسالة" رسولية للعالم إيصالها مسؤولية يتحملها أصلاً المسلمون أتباع رسول الرحمة. فهل ستصل "الرسالة"؟

Michael Kouly